أسئلة حيوية تكشف عن ملامح خاصة للثقافة المغربية

أسئلة حيوية تكشف عن ملامح خاصة للثقافة المغربية

يتمتع المشهد الثقافي والإبداعي والفكري والنقدي المغربي بثراء كبير جعل منه مشاركا فاعلا وقويا في حراك الثقافة العربية، حيث يملك علامات مضيئة في كل هذه المجالات تخطى أثرها وتأثيرها الساحة المغربية إلى التأثير عربيا وعالميا، وهو ما يطرح تساؤلات كثيرة حول التراكم الثقافي الفردي والجماعي، التي حاول مقاربتها الباحث المغربي أحمد شرّاك.

تساؤلات كثيرة تعرفها الساحة الثقافية المغربية في بعدها المحلي والعربي والعالمي، خير الباحث أحمد شرّاك دراستها في كتابه “سوسيولوجيا التراكم الثقافي” في محاولة لتأسيس دليل شامل لمسار الثقافة المغربية الداخلية والخارجية.

قال شرّاك موضحا محاور كتابه، الصادر عن دار خطوط وظلال بعمّان، إنه حاول أن يقارب أربعة أسئلة، اعترضته في أكثر من مرة، وهي أسئلة تصب في مطلب واحد، وهو مطلب التراكم الثقافي، وهي تراوح ما بين هواجس الذات الخارجية وتوترات الذات الداخلية على صعيد المشهد الثقافي.

أربعة أسئلة

يبدأ شراك بحثه من السؤال الخارجي الذي أصبح يعترض كثيرا من الكتاب والباحثين في ندوات ومؤتمرات ولقاءات خارجية، خاصة في البلاد العربية، وهو سؤال مباشر وإحصائي: ما حصاد ثروتك الثقافية وكم مولود في حدائقك الرمزية؟

سؤال يحيل على العدد، على الكم من جهة ويحيل على الكتابة كمؤسسة في حد ذاتها من جهة أخرى، حيث توارت العوامل الخارجية في الكتابة كالمؤسسات والألقاب والنياشين كما كان إلى وقت قريب سواء في المغرب أو خارجه. وأما السؤال الثاني فهو ما هي أهم قضايا وأسئلة الثقافة المغربية؟ وهو سؤال اختزالي، يريد فيه السائل/ الآخر أن يتعرف على مجمل التوترات الثقافية المغربية ومفاصلها الأساسية من أجل الإلمام والاستئناس، وهو سؤال لا يخلو من صعوبات في التلخيص والتركيز والتكثيف مع اتساع القضايا وكثافة الإشكاليات والمقاربات والمحتذيات والأنواع والأجناس والموضوعات.

وأما السؤال الثالث، فهو متعالق مع السؤال الأول أي سؤال الكتاب والقراءة في المغرب “بل والعالم العربي” ومضمون هذا السؤال، هل هناك تراكم على صعيد قراءة الكتاب؟ هل الكتاب اتسعت قراءته خاصة بعد التحولات التي عرفها العالم العربي بعد الربيع العربي؟ هل يمكن الحديث عن تراكم القراءة أو بدايتها، أم على العكس لا يمكن إلا الحديث عن نهاية القراءة كما هو رائج في الغرب؟ وباختصار شديد ما العلاقة الممكنة ما بين التراكم والتحول الثقافي والاجتماعي والسياسي الآن وهنا؟

أما رابع الأسئلة فهو التراكم في حد ذاته، ذلك أنه ابتداء من الثمانينات من القرن العشرين، شهد المغرب بداية تململ البحث البيبليوغرافي حول حقول معرفية ومحتذيات وأجناس وموضوعات، ولعل هذا التململ يعبر بوضوح عن ملامح تراكم ثقافي تطور ما بعد 2003 سواء على صعيد إصدرات بيبليوغرافية راصدة وموثقة للمنجز الثقافي المغربي في كل جوانبه الإبداعية والفكرية والثقافية، أو على صعيد المنجز الأكاديمي من أطروحات وأبحاث جامعية من الدكتوراه إلى الماجستير إلى الحد الأدنى الإجازة.

من أجل الرصد والسؤال قسم شرّاك كتابه إلى أربعة فصول أساسية، حيث حاول بداية أن يقارب وأن يستفهم أهم التيمات والقضايا التي تعتمل في الثقافة المغربية، وتشكل أهم توتراتها وإشكالياتها وتحوالتها، دون زعم الشمولية، والإحاطة الكاملة والبحث في التفاصيل. ثم قدم منحى نقديا “تطبيقيا” عبر مجموعة من المتابعات النقدية للتراكم الثقافي خاصة البيبليوغرافي منه.

وجاء الفصل الثالث بعنون “الكتاب المغربي والقراءة بين التراكمات والتحولات”، حيث حاول أن يشخص فيه وضعية القراءة والكتاب المغربي، في علاقته بالآخر على صعيد المقروئية “نظرية نهاية القراءة”، من خلال التحولات التي عرفها المغرب بفعل احتجاجات الربيع العربي وما خلفته من إصلاح سياسي ومدى علاقة الإصلاح السياسي بالمشهد الثقافي عموما وعلى رأسها وضعية الكتاب الثقافي.

أما الفصل الرابع والأخير فهو إعداد بيبليوغرافي للتراكم الثقافي من خلال توثيق مجموعة من المؤشرات لهذا التراكم كالبيبليوغرافيا والبيو – بيبليوغرافيا والأنطولوجيا، ومعجم التراجم ومعجم المصطلحات والمفاهيم، والأعمال الكاملة.. النقد البيبليوغرافي.

ويوضح شرّاك أن السؤال الجمالي والفني هو سؤال حيوي بالنسبة إلى أي ثقافة ومنها الثقافة المغربية، إلى حد بدايات تبلور علم الجمال المغربي أو إشراقات جمال مغربي يلف كل أنماط الثقافة الإبداعية والفنية، سواء المكتوبة منها كالشعر والرواية والمسرح والقصة أو البصرية والسمعية كال

سينما والتشكيل والتصور الفوتوغرافي والكاريكاتير والموسيقى والغناء والطرب، وهي جماليات بدأت تشكل أصواتها، خاصة ابتداء من التسعينات من القرن الماضي. ومهما يكن من أمر، فإن الثقافة الجمالية بدأت تشكل تراكما يسير في اتجاه النوعية، وإن كان أقل درجة وفاعلية من الثقافة العلمية التي تحتل موقعا لافتا.

ملامح ثقافية

يرى شرّاك أن التفاعل الثقافي يطرح العلاقة مع الغير، وقد يكون هذا التفاعل/ التواصل مشفوعا بالإرادة والتصورات والخلفيات الأيديولوجية والمعرفية والثقافية، يمكن أن نفكر في هذه الإشكالية انطلاقا من تراثنا العربي الإسلامي وتحديدا من ذلك الحوار المثمر بين الغزالي وابن رشد حول المثاقفة مع اليونان في ذلك العصر، وهما موقفان ما زالا ساريين إلى اليوم بأشكال وخطابات مختلفة، تكون مضمرة أحيانا.

وفي الواقع فإن الثقافة المغربية قد تجاوزت البعد التبريري والنظري لعملية التثاقف، بل وقطعت أشواطا متقدمة في هذا المنحى، فلم تعد حاضرة في المشهدين الثقافي الفرنسي والإسباني باعتبار المرحلة الاستعمارية، وإنما تجاوزت ذلك إلى الأقطار الأخرى كإيطاليا التي تحضر فيها “الثقافة المغربية” بشكل واضح ومتميز، كما تشير إلى ذلك بيبليوغرافيا مجيد الحوسي حول حضور الأدب المغربي في إيطاليا، من خلال إثباتها لترجمة 34  رواية مغربية و24 ديوان شعر ومسرحية واحدة و11 بحثا ودراسة إلى اللغة الإيطالية، فضلا عن إثباتها لـ153 مقالة ودراسة وبحث حول الأدب المغربي سواء المكتوب بالعربية أو بالفرنسية.

ويؤكد الباحث أن هذا التفاعل، من جهة أخرى، بدأ يظهر على صعيد سلوكات وممارسات المثقف المغربي بدءا من الثمانينات، حيث بدأ الت

عامل بشكل لافت مع المعاهد والمؤسسات الأجنبية المشتغلة في المغرب، بل أصبح البحث عن الشرعية الثقافية، يمر عبر هذه المعاهد والمؤسسات الثقافية، هذه المؤسسات التي كان ينظر إليها في مرحلة السبعينات نظرة مشبوبة بالكثير من اليقين الأيديولوجي عنوانه الكلونيالية والإمبريالية إلى آخر الشعارات المعروفة.

وفي المجمل يمكن التأكيد على أن التداخل والتفاعل الثقافي، سمتان بارزتان وأساسيتان، أعطتا للثقافة المغربية ملمحا مخصوصا، أخصب مسارها وجعلها ثقافة تتميز بالانفتاح والتسامح والنزاهة الفكرية، بعيدا عن الدوغمائية والتنميط والتحنيط الثقافي.

أما على صعيد الأشكال المادية للتواصل فإن علاقة المغرب بالإنترنت علاقة في اتساع مستمر، وعلاقة المغرب الثقافي أيضا في اتساع مستمر، بكثرة المواقع سواء بالنسبة للمؤسسات الثقافية كاتحاد كتاب المغرب أو المؤسسات العلمية والأكاديمية كالجامعات والمعاهد العليا أو الصحف والمجلات والجمعيات، أو بالنسبة لمواقع فردية لمثقفين مغاربة، وهو أمر يحتاج إلى إبحار بيبليوغرافي من أجل الرصد والمتابعة.

لكن شرّاك يشير إلى أن الثقافة المغربية لم تتناول بشكل كاف المسألة الدينية، التي لم تطرح على صعيد الثقافة العلمية، بحيث هي شبه غائبة على صعيد التخصصات العلمية، سواء على صعيد تاريخ الأديان أو فلسفة الأديان أو سوسيولوجيا الأديان وسوسيولوجيا الظاهرة الدينية كظاهرة سياسية، وفضلا عن ذلك لم يطرح الفرقاء السياسيون المسألة الدينية على صعيد الأدبيات والتوجهات، انطلاقا من قناعة محسومة وهي أن الانتماء الديني “الإسلامي” مسألة بديهية ولا تحتاج إلى مدارسة.

ومن جهة أخرى لم تكن الظروف الموضوعية تسمح بنقاش علمي حول المسألة بل كان الحصار مضروبا على المثقفين والعقلانيين والحداثيين من خلال تقليص شعب الفلسفة والعلوم الإنسانية إلى درجة التفكير في إغلاقها وإنهاء مهامها في التدريس والتكوين داخل الجامعة المغربية، وذلك في إطار مناخ عالمي كانت تحكمه قطبيتان أساسيتان، مما جعل الانكباب على تقوية الشرط الديني أمرا استراتيجيا من خلال فتح شعب دينية في مختلف كليات الآداب، فضلا عن مؤسسات التعليم الديني الوافرة.

ويلفت شرّاك إلى أن تيار الحداثة الشعرية في المغرب، قطع أشواطا رغم النقد الذي يمكن أن يوجه إليه، ليس على مستوى المناولة النظرية فحسب، بل أيضا على مستوى إبداع النصوص الشعرية وتأصيل خطاب نقدي حداثي لأسئلة الحداثة ومناهجها ومفاهيمها في الحقل الشعري، سواء على المستوى الفردي “الشعراء والنقاد” أو على المستوى المؤسسي داخل اتحاد كتاب المغرب، وبين الشعر. ولعل البيبليوغرافيات حول القصيدة المغربية، وكذا الأنطولوجيات المنجزة، والتي تثبتها بيبليوغرافيا التراكم تؤكد هذا المنحى المتميز.

ويؤكد الباحث أن المثقف المغربي، عاش حالة من اليتوبيا الصارمة في العصر السبعيني، وحالة للحلم بمجتمع مغربي تنتفي فيه كل أسباب التخلف والفقر والحرمان، مجتمع على “أجنحة الحلم”، ما جعل هذا المثقف يعبر عن هذه الحالة الجمعية بكثير من الطقوس والميثيات (الخرافات)، بدءا من نكران الذات، واعتبار المواقع تزلفا ونياشين لا تليق بتدابير هذا الحلم ولا بمسوغاته، وأن الزهد والتصوف في الحياة والنضال هو المطلب الأساس بل هو السمفونية المبتغاة لطهرانية في الحال والمآل.

ومن هنا كانت العضوية التاريخية والرسالة الدعوية للمثقف هي الفعل والغاية في الآن نفسه، وأن الخلاف، ليس حول هذه القاعدة وإنما حول التمثلات والتصورات وطبيعة الأحلام والاستهامات، فاشتد الصراع الثقافي حول الفاصل، لا حول الواصل والمشترك بالنسبة لجيل الأيديولوجيين برمته. قد نسهب في وصف تفاصيل هذه اليتوبيا، لكن من المحتمل أن ملامحها العامة لا تخرج عن هذه الشذرات.

الثقافة الجمالية بدأت تشكل تراكما يسير في اتجاه النوعية، وإن كان أقل درجة وفاعلية من الثقافة العلمية

ويتابع شرّاك “لكن هذه اليتوبيا بدأت تتوارى عندما استفاق المثقف المغربي على تحولات في مجرى التاريخ، الذي لا يسير دائما وفق منطق رغبوي، بل وفق ترتيب موضوعي للأشياء، والأحداث والواقع، في عصر التناوب التوافقي، حيث بدأت الأحلام تتساقط كأوراق الخريف أو على الأقل تبدو كذلك على صعيد الواقع العيني من منظور يوتوبي.

انطلاق “سباق المسافات” نحو الموائد الكائنة والتي يمكن أن تكون، حول الصراع إلى مصارعات حول مواقع القرار أو حاشية القرار. فتقلصت الدائرة إلى حدود قصوى بين حلم المثقف ومكر السياسي، وانتقلت ممارسات المثقف، من الطهرانية ونكران الذات والزهد إلى التحليق بعيدا في النجوم والظهور “ما يمكن أن نسميه بالظهرانية”، منافسا للاعب كرة القدم والفنان والزعيم السياسي، كل واحد يريد أن يصبح أكثر حضورا وانتشارا، عبر توزيع الكلام في الميكروفونات والشاشات والورق الإلكتروني.

والسؤال المطروح هنا ما هي الأدوار الجديدة للمثقف في عصر التناوب والديمقراطية؟ هل انتهت مقولة المثقف العضوي بانتهاء التغيير عن طريق الثورة، إلى التغيير عبر صناديق الاقتراع؟ هل يمكن الحديث عن نهاية المثقف، بالمعنى الرسولي؟ وإلى أي حد يمكن الحديث عن مثقف جديد يساير التحولات المعقدة على الصعيد الكوني والمحلي؟

Share this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *