«أصوات تحت الأظافر».. «حدائق شعرية» مختارة من دواوين «مؤمن سمير»

«أصوات تحت الأظافر».. «حدائق شعرية» مختارة من دواوين «مؤمن سمير»

يمثل الشاعر مؤمن سمير حالة شعرية استثنائية، فهو من جيل التسعينيات الذي استطاع أن يجد لنفسه طريقا مميزا ومختلفا في اللغة والتصوير وحتى في التجريب خلال قصيدة النثر، هذه التجربة الثرية المليئة بالعناصر الجذابة على مستوى اللغة والتراكيب والجمل والتصاوير تمثل مشوارا مستقلا وخطا معتمدا ببصمة الشاعر، وقد صدرت مؤخرا مختارات شعرية تحت عنوان «أصوات تحت الأظافر» عن دار خطوط وظلال بالأردن، يتضمن مختارات من دواوين مؤمن سمير، أو كما يطلق عليها الناشرون «حدائق شعرية»، ومن بينها ديوانه الأول «بورتريه أخير لكونشرتو العتمة» الذي يبدأ به المختارات ومنه: «ساكنا / في الشرفة / يلوح لها بقلبه.. / والسريون / عندما يحكمون غلق إزار الظلام / يكون دورهم التاريخى / قد اكتمل».

من طريقته المميزة في استخدام الصور التشبيهات بطريقة تلقائية، يبدو على القصيدة أنها تتمتع بالبساطة والسلاسة التي تجعل من الصورة المفارقة التي يكمن فيها الشعر في أبهى صوره وتجلياته. وفى ديوانه «هواء جاف يجرح الملامح» يكاد يعبر الشاعر إلى أفق آخر أكثر ذاتية وجوانية من الآفاق المفتوحة على العالم الخارجى في ديوانه الأول، وهو ما يتضح من طبيعة القصائد وما تحمله من شحنات نفسية غاية في الثراء والحساسية والشفافية.

«أخرج من قلبى هواء / أوجهه نحو الزجاج / ثم أسرع وأمسحه/ بجلدى الميت / كى لا تظهر الأكاذيب / تلك التي انتظرتها الرياح طويلا». القصيدة بعنوان «لا أقل من الصمت» ويحرص الشاعر على تصدير المفارقة باعتبارها الومضة الشعرية منذ الجملة الأولى. فالهواء يخرج من القلب. وفى النهاية هناك مخاوف من أن تنكشف الأكاذيب التي تركها البخار على الزجاج، وهو المر الذي تنتظره الرياح منذ فترة طويلة، يمتد أفق الرؤية من الذات الداخلية وما يعتمل داخلها من هواجس إلى العالم الخارجى وعناصر الطبيعة وتفاصيل يومية بسيطة، كل ذلك يتضافر ليشكل عالما متجسدا في صورة فوتوغرافية بسيطة لرجل يجلس بجوار نافذة وينفث البخار على الزجاج، من هذه البساطة يخرج عمق المعنى الذي يتضمن الكثير من التخييل والأفكار.

 

يتعدد الصوت الشعرى في قصائد مؤمن سمير ليتجاوز الأنا والآخر والعالم وربما يصل أحيانا إلى العدم أو إلى الفراغ المطلق، وهو ما يتضح في ديوانه غاية النشوة الذي يصل بالتصوير والتخييل والمعانى والتراكيب والمفارقات الشعرية داخله إلى درجة من الصفاء تصل إلى حد التماهى مع الآخر والذوبان فيه. وهى درجة من الكشف والتجلى ربما تدخل ضمن مفاهيم البوح والتجلى الصوفية. رغم أن معناها الظاهر يكاد يكون عاطفيا أو ذا طابع إيروتيكى، إلا أن الفناء والوصول إلى حالة النشوة أو غايتها هو نوع من التجلى الذي يقرب الإنسان أو الروح الشاعرة ومن ثم القارئ من منطقة التماهى مع الفراغ أو التصالح مع العدم كمفهوم فلسفى حميمى. في قصيدة «سمت» يقول الشاعر: «بيد باردة / أجرى فحصا إكلينيكيا على القلب / لأكتشف حفريات الحنين / أحكى لنفسى / عن حبيبة حقيقية / لها صدر وعينان وساقان / وليست مثل الأخريات». من بساطة الجمل والتراكيب وتلقائيتها تبدو الصورة الشعرية مركبة بشكل متتابع، منذ فحص القلب باليد الباردة وحتى الحبيبة الحقيقية التي ليست مثل الأخريات.

 

 

ومن ديوانه السريون القدماء يقول في قصيدة «للطيبين، أصحاب الشيزوفرينيا»: «بإخلاص كامل / أفتش عنه داخلى ليخرج / ويتواجه الطيب / والقاتل».

Share this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *