“استنساخ الخائن”.. عن المهاجرين والمهمّشين في أوروبا!

“استنساخ الخائن”.. عن المهاجرين والمهمّشين في أوروبا!

محمد جبعيتي

 

عمدَ الكاتب السوداني عبد العزيز بركة ساكن، في مجموعته القصصية “استنساخ الخائن” الصادرة عن دار خطوط وظلال للتوزيع في العاصمة الأردنية عمّان، وعلى مدار 112 صفحة، إلى تعرية الواقع عبر تصوير حياة المهمشين القاسية، كما نقل ظروف المهاجرين في مجتمعاتهم الأوروبية الجديدة، ما يؤثّر في وجدان القارئ، محرّكًا استياءه واحتجاجه إزاء الانتهاكات المرتكبة بحقهم.

 

أسّسَ الكاتب خطابه القصصي على حكايات المهمّشين الذين نسيهم المجتمع ولفظهم: سكّان القرى الفقيرة والنائية، والفتيات المغتصبات، وأطفال الشوارع، والعاهرات، والمجانين، والأشخاص الذين يعيشون حياة بائسة مثيرة للحزن، فطعامهم شحيح وملابسهم بالكاد تستر عريهم.

 

يمزج الكاتب في قصصهِ بين الواقعي والأسطوري، خاصة أن أغلب قصصه تدور أحداثها في بيئة بدائيّة يرتع فيها الجهل، فنلاحظ أن الناس يخافون الجنّ والشياطين والسحر، ويتبادلون الخرافات.

 

في قصّة “جوكاستا”، يسرد لنا حكاية فتاة ريفيّة تعرّضت للاغتصاب من العجوز صاحب الدكان، والذي كان يغتصب الأطفال مقابل المال والحلوى وأشياء أخرى.. اختفت جوكاستا لأيام قبل أن يجدها صديقها الطفل “عبدون” في واحدةٍ من الآبار القديمة المهجورة التي يُعتقد أن الجنود الإنجليز حفروها أثناء الحرب، وأنّ أرواحهم تسكن فيها منذ ذلك الوقت، لذا يسمع الناس صراخها طوال الليل فلا يجرؤ أحد على الاقتراب منها.

 

تطلعنا جوكاستا على حقيقةِ أن أباها أراد قتلها، بعد اكتشافه حملها، وأنّه ضربها في بطنها عند حافة البئر إلى أن نزفت وظنّ أنها ماتت، ثم ألقى بها في البئر، لكن قاع البئر الممتلئ بالطين والرمل أنقذها من الموت.

 

على ذاك، يعود عبد العزيز بركة ساكن إلى تبئير القضايا السياسية والاجتماعية التي يعيشها الفرد السيط، مشيراً إلى عوار المجتمع وفضائحه، ومنها القتل على خلفيّة ما يسمى بالشرف، من خلال خلطِ الحقيقة بالأسطورة، بحيث يصعب فصل مكونات هذا الخليط.

 

كما شكّلت الهجرة ثيمة أساسية في المجموعة، لما تحيل إليه من معاني الرحيل والاجتثاث والشتات، فالهجرة تجاوزت ترك المكان الحميمي إلى أبعاد فلسفية ونفسية، واكتسبت طابعاً تراجيديًاً مأساويّاً، بحيث تحوّل المكان من مجرد كونه مساحة جغرافية إلى مساحة من الارتباط النوستالجي والدلالات الفكرية.

 

يظهر تأثير تجربة عبد العزيز بركة ساكن في الهجرة واللجوء إلى أوروبا، إذ أنّ قصص “ثرثرة في قطار الليل”، و”الإصبع الوسطى”، و”جوليانا”، و”حكاية نوح” تعدّ ثمرة تجاربه الحياتية لظروف الهجرة وأوضاع المهاجرين وهمومهم، أبرزها موضوعة الاندماج في المجتمعات الأوروبية، خصوصًا مع تصاعد العنصرية وكراهية الأجانب.

 

إذاً يعالج ساكن أوضاع المهاجرين في أوروبا، ويشرّح واقعهم السياسي والثقافي، ونلمس ذلك في قصة “السلطان جوليان” التي يتحدث فيها الكاتب عن علاقة معقدة قائمة على الحريّة الجنسيّة دون مرجعيات أيديولوجية (المؤسسة الزوجية)، لتصبح الأسرة هي الأساس وليس الجنس.

 

أسرة مكوّنة من المرأة “جوليانا” زوج فرانسواز والراوي الرجل الملقّب “أوباما” وهو الأب الواهب حسب القانون الفرنسي وليس زوجاً للمرأتين، والأطفال هنا يرثون اسم الأب الشرعي “جوليانا” وليس الأب البيولوجي “أوباما”.. إذًا نحن أمام أسرة تتكون من زوجة واحدة وزوج وثالث هو زوج وزوجة في الوقت نفسه والأب الواهب للأطفال.

 

غير أنه في بلد الحريات والقانون، لا يسمح فيها بهذا النوع من العلاقات، فقد وصلهم طرد فيه سكين وسلاسل حديديّة وخطاباً يطلب منهم مغادرة المنطقة أو تصحيح وضعهم الأسري، ففيما يبدو أن الجهة المهددة مؤسسة دينية متطرفة أو شخصاً من اليمين العقائدي لا يؤمن بالقانون، إنما حسب نص الرسالة، يؤمن بالأخلاق الفرنسية الموروثة، مؤكداً أنه ضد المثلية الجنسية وتعدد الزوجات وكل المفاسد الدخيلة على المجتمع الفرنسي المحافظ المتدين، في إشارة واضحة إلى صعود تيار اليمين المتطرف في أوروبا، وكراهيته للأجانب والمهاجرين الذين يعانون من العنصرية والتهديد الدائم بالقتل والترحيل.

 

قصة “ثرثرة في قطار الليل”، عبارة عن حوار ثقافي حول اللغة وإشكالية الهوية بين مهاجر عربي إفريقي ومواطنة فرنسية، في مقصورة قطار بعد منتصف الليل: “نظن في فرنسا أنّ كل الأفارقة يتحدّثون الفرنسية”، “نحن من المستعمرات الإنجليزية”، “هل أنت من الشرق؟”، “نعم”، “وأين تعلمت العربية؟”، “عاش العرب معنا منذ آلاف السنين. تزوجنا، ثم احتلنا عليهم وأخذنا لغتهم وتم تذويبهم كعنصر في المجتمعات الأفريقية”.

 

يستخدم عبد العزيز بركة ساكن السخرية أداةً للنقد والتهكّم على الواقع السياسي، وتناقضات النفس الإنسانية. وكانت السخرية حاضرة في قصة “استنساخ الكائن” عن زوجة مغرمة بالروايات خاصة الروسية، التي يدور موضوعها حول الخيانة الزوجية، فصارت ترى في زوجها كل الأبطال الفاسقين والخائنين الذين يصادفونها في هذه الروايات، وقد اعتادت أن تصفه بالخائن بعد انتهائها من القراءة، رغم أنه كان مخلصاً، ولم “يمارس” الخيانة الزوجية.

 

من هنا، نستطيع أن نحدد الدور الوظيفي المنوط بالسخرية في عملية القصّ، إذ تقوم بالتخفيف من حدّة الألم وثقل المعاناة، هكذا تصبح عملية القص أقل سوداويّة وتنفيراً، عبر خفة اللغة ورسم شخصيات فكاهيّة تقّدم نقدها وتهكمها اللاذعين على واقع المجتمع وطبيعة الحياة الإنسانية.

 

ونذكر أن عبد العزيز بركة ساكن، من مواليد العام 1963 في مدينة كسلا بشرق السودان، له روايات عديدة منها: “مخيلة الخندريس”، و”مسيح دارفور”، و “رماد الماء”، و”الطواحين”، وغيرها الكثير، ويعيش حاليّاً في مدينة مونبلييه الفرنسية.

 

وسبق أن تُوّج ساكن بجائزة “بي بي سي” للقصة القصيرة على مستوى العالم العربي في العام 1993 عن قصته “امرأة من كمبو كديس”، وجائزة “قصص على الهواء” التي تنظمها هيئة الإذاعة البريطانية بالتعاون مع مجلة العربي عن قصتيه “موسيقى العظام” و”فيزياء اللون” في العام 2013.

 

وفازت روايته “الجنقو – مسامير الأرض” بجائزة الطيب صالح في مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، ونالت مكانة هامة وسط الروايات في المكتبة الفرنسية بعد ترجمتها، وتناولتها الصحف الفرنسية بالكثير من الاهتمام.

Share this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *