الشاعر نوري الجراح ينقذ طروادة من الحرب “البقع الشعرية الأرجوانية” مقاربة جمالية في قصائد “لا حرب في طروادة”.

الشاعر نوري الجراح ينقذ طروادة من الحرب “البقع الشعرية الأرجوانية” مقاربة جمالية في قصائد “لا حرب في طروادة”.

 

يختلف شاعر قصيدة النثر عن شاعر قصيدة الوزن والتفعيلة لا من حيث شكل الكتابة بل من حيث الرؤية إلى العالم وإلى الشعر، واختلاف اللغة والتعامل معها وبها، شاعر قصيدة النثر أكثر تحررا من الإكراهات والنظرة النمطية، ولذا فهو الأقدر اليوم على مساءلة الواقع بكل حمولاته القاسية من جهة، ومن جهة أخرى مساءلة الميثولوجيات السابقة وتوليدها كأساطير جديدة.

لم يبدع شاعر سوري أو عربي قصائد عميقة الرؤيا، تستلهم وتستدعي نماذج ومرجعيات ميثولوجية متعددة المصادر، عبر توظيف “القناع”، وإسقاط الواقع الحالي على الحدث التاريخي، وتَمثّل لفن المسرح، خاصة المسرح الإغريقي، مثلما أبدع الشاعر نوري الجراح في قصائده ذات النفس الملحمي، والمستويات الرمزية العديدة عن المأساة (الأوديسة) السورية، المتمثلة بالنزوح والتهجير والتشرّد عبر البحار، والموت الجماعي غرقا في لجّتها، هربا من بلد تحول إلى مسلخ بشري، وأرض للعذابات المستحيلة، والتي هي تراجيديا كونية تعجز عن وصفها لغات العالم أجمع.

هذا بعض مما يمكن استخلاصه من قراءة أحدث مجموعة شعرية لنوري الجراح “لا حرب في طروادة، كلمات هوميروس الأخيرة” الصادرة عن منشورات المتوسط – إيطاليا العام الماضي، التي تشكّل، مع مجموعته السابقة “قارب إلى ليسبوس” خيط الأمل، والضوء المقاتل في قلب الظلام، كما يقول الجراح نفسه.

وقد كتب عن هذه المجموعة الكثير من النقاد العرب، في مقالات نُشرت هنا وهناك، وأخيرا كتب عنها الناقد والشاعر العراقي محمد صابر عبيد كتابا كاملا بعنوان “البقع الشعرية الأرجوانية”، صدر حديثا عن دار خطوط في عمّان، قدّم فيه مقاربة جمالية في قصائدها، توزعت على أربعة عشر محورا، منها “شاعر قصيدة النثر: تجربة قص الأثر”، “مدخل في الرؤية الشعريّة”، “البقعة الأرجوانيّة العنوانية”، “بقعة التقديم الأرجوانية”، “الاندفاعة الأولى: أسطرة التجربة الشعريّة”، “الغربة الشعريّة: مغامرة اللغة والصورة”، و”البقعة الأرجوانية الختامية”.

 

شاعر قصيدة النثر:

يرى الناقد في المحور الأول أن شاعر قصيدة النثر يختلف اختلافا جوهريا كبيرا عن شاعر قصيدة الوزن، وعن شاعر قصيدة التفعيلة أيضا، ليس في

نوع القصيدة – وهو أمر أساس وجوهريّ – فحسب، بل أيضا في طريقة التعامل بالغة الخصوصيّة مع اللغة ومع مفهوم الشعر وأسلوبيّة الأداء وطريقة التعبير وأفق التشكيل، إذ يخوض شاعر قصيدة النثر تجربة نوعيّة خطيرة شاء الناقد أن يطلق عليها هنا “تجربة قصّ الأثر”، بالمعنى التشبيهيّ الذي يتنكّب فيه هذا الشاعر مهمة الدليل في صحراء شاسعة لا تقود إلا إلى مزيد من التيه، فاللغة التي يتحرّى شاعر قصيدة النثر استثمار طاقاتها هي لغة ثانية غير اللغة الشعريّة المتعارف عليها في تجربتين سابقتين.

ويعني الناقد بـ”تجربة قصّ الأثر” أنّ لغة قصيدة النثر لغة عموديّة وأفقيّة في آن، تحدّق في الأثر على سطح الأرض وتوغل في باطنيته بعين مركّزة تخترق السطح وتكشف الطرس بعد الطرس، ومن ثم تتحرّك باتجاه تتبّع أثر الدال وتغوص في إلماحاته وإشاراته وعلاماته دون مستوى النظر من جهة، ومن جهة أخرى تستدل على حركة النجوم والأفلاك فوق مستوى النظر كي تسير خلف الأثر في الاتجاه الصحيح، وسط تيه حقيقي تضيع فيه الحقائق والأفكار والمقولات حين تفتقد العمليّة الدليل المناسب الذي يقود سفينة البحث في الطريق الصحيحة.

 

عتبة العنوان

يقف عبيد على عتبة العنوان انطلاقا من كونها إحدى أهم البقع الأرجوانيّة التي يشتغل عليها الشاعر بوصفها مقدمة تنويرية أساسيّة توجّه المسيرة الشعريّة التالية للقصيدة، وتقوم عتبة عنوان ديوان الجراح على بنية منفيّة بوساطة حرف النفي الأشهر “لا”، ولاسيّما حين يقوم النفي هنا بتقويض تراث ملحميّ هائل نهض أساسا على إثبات ما ينفيه العنوان هنا وهو “حرب طروادة”، تلك الحرب التي شغلت هوميروس وندبته كي يؤرّخها في ملحمته الشهيرة، فتصبح علامة أسطورية مركزيّة يستحيل محوها.

لكن سطوة “لا” النافية للجنس، لا التبرئة، لا الاستغراقية وهي تفتتح عتبة العنوان تمضي بجرأة وبسالة ومقصديّة نحو محو الأسطورة وتكذيبها، إذ أن نفي معنى الخبر في الجملة العنوانية “لا حرب في طروادة” يفصل بين “حرب” و”طروادة” كي تكون “طروادة” بلا “حرب”، وعندها تكف “طروادة” عن ممارسة حضورها الأسطوري الملحمي في إلياذة هوميروس وتتنازل عن معناها كاملا، وتكف الإلياذة نفسها عن إنتاج ما كُلّفت به من مهام ملحميّة وأسطوريّة.

ولا تتوقف عتبة العنوان عند هذه الجملة المنفيّة بل تمتد كي تعبر إلى الجانب الآخر حيث يمكث هوميرس بجانب ملحمته المهدّدة بالإلغاء والنفي، فيظهر اسمه مقترنا بكلماته الأخيرة “كلمات هوميروس الأخيرة” التي لا يمكن أن تكون سوى اعتذاره عن ابتكار حرب لا وجود لها، سخّر لها جهدا ملحميا إبداعيا هائلا استمر مدوّيا طيلة قرون، فالكلمات الأخيرة هي كلمات ما قبل الموت عادة حيث يدلي القائل بآخر ما تحتويه جعبته من كلمات، يمكن أن تقال على سبيل طلب العفو والتوبة على ما اقترفه من ذنوب يكبر حجمها إلى أقصى حدّ في هذه اللحظات، على النحو الذي تتوازى فيه جملتا العنوان “لا حرب في طروادة، كلمات هوميروس الأخيرة”.

وعن تقديم الجراح لمجموعته يكتب عبيد أنه يرصّع قصائده بعتبة فيها سلطة ضوء عالية تمثّل بقعة أرجوانية باثّة لمزيد من النور الموحي، وتمثل خطابا ذاتيا أشبه ببقعة أرجوانية سيرذاتية تحكي على نحو موجز عذابات الحياة والوطن والغربة والشعر، فيحشد ما شاء له من الذكريات في اختصار للزمان والمكان والحدث والرؤية للبدء بمسيرة الألم من حافة الموت المتربّص بالأشياء وعلى شفا غفلة منها.

الاندفاعات الشعرية

ويتابع الناقد الاندفاعات الشعرية المتحقّقة في تجربة هذه المجموعة انطلاقا من البؤر التنويرية العنوانية لكل اندفاعة، بوصفها المسار الفني والموضوعي الذي اشتغلت عليه القصيدة في إطار تعزيز الرؤية الشعرية التي لا تتّكل على “شرف الموضوع” بتعبير النقد العربي القديم فقط، بل أيضا تقرن ذلك بشرف البناء الفني الذي ينبغي أن يكون موازيا له كي يتمكّن من حمله، إذ مهما كان الموضوع عظيما ومُلِحّا وإنسانيا خارج الشعر لن تكون له قيمة شعرية بلا أداء فني عال، تتحد فيه مقوّمات التعبير بمهارة التشكيل وكفاءته لأجل تكوين شعري متماسك بالغ الانسجام والتلاؤم والتكاتف والعمل.

ويذهب عبيد إلى أن الاندفاعة الأولى تبدأ بداية درامية ملحمية تحيل على مرجعيات الدراما الإغريقية في مصطلحيها الأثيرين والشهيرين “المأساة والملهاة”، لتأخذ عنوان “الملهاة الدمشقيّة/ لسان الجحيم” شعارا يشبه اللافتة البانورامية التي تضم تحت جناحيها شبكة من العنوانات الفرعية، وهي تفصّل مشاهد الملهاة وفصولها ولقطاتها واكتنازاتها الدلالية بما يضيء واحات تنويرية كثيرة تشع على سطح التعبير الشعري، وتمثّل جوهر ما يمكن وصفه “بيت القصيدة” على النحو الذي اقترحه بوصفه سبيلا نقديا منهجيا منتخبا، يستجمع بين طيّاته طاقة الرؤية الشعرية في نهاية القراءة حين تؤول الاستنتاجات كلها إلى مصير دلالي واحد.

وتتسع شقة البقعة الأرجوانية الثانية، حسبما يرى عبيد، في نطاق البحث عن القول التائه الضائع في صراع بين القول الظاهر والقول المضمر ضمن حراك شعري استفهامي تعجّبي “هل قلتُ ما لم أقل أبدا؟!” حتى تتحوّل البقعة الشعرية الأرجوانية الثالثة إلى اعتراف كوني شامل، يجمع الأسئلة في سلّته داخل صيحة عالية تشق عنان السماء بلا هوادة “أنا ألِيعازر الطّارق باب القيامة”.

وتتجلى هذه البقع الأرجوانية الشعرية في مجموعة من التموجات التعبيرية والتشكيلية على مستوى الحدث الشعري المستمد من التاريخ والأسطورة والخرافة، مثلما هو مستمد من الواقع المعيش حيث تختلط حساسيات الذات الشعرية بما تتلقفه من مسميات وأفكار وملاحظات ومرئيات وقيم، في السبيل نحو إيقاظ الرؤية الشعرية بما تنطوي عليه من خزين تحمله الذاكرة وتطلع يحمله الحلم في حساسية تنويرية مشعة.

الإيقاع والغربة الشعرية

في تحليله للإيقاع الصوتي، يتناول الناقد قصيدة الجراح “سمكة آخيل/أنشودات” مبينا أنه يتحرّى توظيف مجموعة منتخبة من الأنشودات لنسج بنية

إيقاعية دلالية تحرّك الفضاء الشعري باتجاه إطلاق الصوت، عن طريق لقطات شعرية تنضوي تحت لواء كل أنشودة منها، ففي قصيدة أولى في هذا الفضاء الشعري معنونة بـ”أنشودة” تتراكب شبكة إيقاعات في ما بينها لتشكّل ما يمكن تسميته بـ”الإيقاع الدلالي الشعري” بصفة تشكيلية متجوهرة، ويتحرّك الإيقاع الشعري الدلالي في سياق صورتي

ن متوازيتين مشبّهتين ببعضهما، الصورة الأولى “ينال السّهم من الغابة” تنفتح على حركيّة السهم المنطلق نحو الغابة بآليّة الفعل المضارع “ينال”، توازيها تماما الصورة الثانية بعد حرف التشبيه المتوازي “كما” لترسم صوت النشيد القادم من جوف السماء إلى قمّة الأرض “نال البرق من كتف الجبل”، بحيث يوازي البرق السهم وتوازي الغابة كتف الجبل، ويوازي الفعل الماضي “نال” في إيقاع شعري هارموني بين صوتين مصوّرين متوازيين.

ويتساءل الناقد في محور “مركز التنوير والإشعاع الشعري”: هل تعني جملة “كلمات هوميروس الأخيرة” تلك الكلمات التي سطّرها في نهاية الملحمة، أم تلك التي تركها قبل وفاته بقليل؟ على الرغم من أن الإحالة الأقرب على الدلالة هي كلمات ما قبل الموت لأنها “الأخيرة” فعلا. وحين يمعن في فضاء المتن الشعري للق

صيدة يجد أن الكلمات الأخيرة لهوميروس هي كلمات اعتذارية عن الذنب الذي اقترفه بحق القرّاء، أولئك الذين ربما صدّقوا روايته عن حرب طروادة في الملحمة، فيعترف لهم في مدوّنته الاعتذارية هنا أن “لا حرب في طروادة” وعليهم ألا يصدّقوا روايته.

لذا يجد القصيدة تتوزّع على مجموعة من البؤر الأرجوانية التي تسهم كل بؤرة منها في حمل جزء من الاعتذار، ويشمل الاعتذار فضلا على جمهور القرّاء الأبطال الذين قاموا بأدوار وهمية لا أساس لها في حدث كاذب أيضا.

وفي محور “الغربة الشعريّة: مغامرة اللغة والصورة” يؤكد عبيد أن الغربة التي يعيشها الشاعر خارج وطنه تتحوّل بمرور الزمن ونضج الإحساس وخسارته كثيرا من مائه الفطري الأولي إلى غربة شعرية، تفضي ضرورة إلى مغامرة لغوية وصورية وحتى إيقاعية يخسر فيها الجسد والروح وتربح القصيدة، وإذا بقيت غربة الشاعر رهينة المكان والذكريات والماضي الجميل والحنين، وما إلى ذلك من مفردات معروفة في هذا السياق، فإنها تقضي على القيمة الشعرية التي يحملها صاحبها، إذ تدفعه باتجاه السكونية والتقوقع والتآكل والتكلّس، وتختفي مركزيتها عنده، وتؤول التجربة إلى أضيق حيّز ممكن في هذا المعنى كي تنحصر بالمعنى المكاني الذي يشترك فيه

الجميع.

لكن نوري الجراح عبّر في هذه المجموعة الشعرية على نحو خاص، وفي ما سبقها من تجاربه الشعرية، عن رؤية مغايرة لما أنتجته المهجريّة الأولى

لشعراء المهجر مطلع

 القرن الماضي وتوغّل في هذه المنطقة الشعرية، وتجاوز كثيرا من العوالق الرومانسية البكائية، داخلا في جوف عالمه الجديد بعيدا عن تراث الطلل بحساسيّته المريضة، وصار العمل واضحا على إعادة إنتاج اللغة والصورة والإيقاع بما يرسي وقائع فنية وأدائية وتشكيلية وتعبيرية وتصويرية جديدة تناسب المفهوم الجديد والرؤية الج

ديدة والفضاء الجديد، وتحدي الذات والمحيط والمكان والزمن ومقارعته نحو ضفاف قصيدة جديدة.  يتناول الناقد محمد صابر عبيد في المحور الأخير من كتابه البقعة الأرجوانية الختامية، موضحا أن هذه العتبة من العتبات النصية المهمة في الأعمال الأدبية والفنية عموما على أكثر من صعيد، فهي تنمّ عادة عن وعي تقاني وتشكيلي يجد الكاتب ضرورة بنائية أصيلة لتشييدها في نصّه بناء على معطيات معينة تخص تجربة النص حصرا، وفي حالة وجودها ينبغي قراءتها نقديا كما تُقرأ بقية العتبات النصية في النص بوصفها جزءا أساسا من الفضاء التشكيلي العام للنصّ.

وتتأتى أهميتها من حاجة القارئ إلى الوصول إلى نهايات توفّر له قناعة بجدوى قراءته للنصّ، وهو يتفاعل مع طبقاته التشكيلية إلى لحظة إقفال واضحة وأصيلة يشعر معها بنهاية النص، وثمة قناعة راسخة لها علاقة بالتكوين البشري العام تقود إلى التفكير الدائم في النهايات التي لا بدّ منها، لذا تجيء عتبة الإقفال أو الخاتمة بوصفها إعلانا إشهاريا عن بلوغ النص نهايته على أي مستوى من مستويات الحال النصية، وربما لا يشعر القارئ بالأمان القرائي إلا وهو يصل إلى هذه العتبة ليدرك أن رحلته القرائية مع النص قد انتهت، وعليه أن يطمئن على أن هذه الرحلة حققت نتائجها المرجوّة بحيث لا يبقى شيء من “حتى” في نفس القارئ وهو يغادر النص ويطوي صفحته.

وقد كانت الخاتمة الشعرية في مجموعة نوري الجراح هذه هي “ما بعد القصيدة/ بروميثيوس راجعا في عربة“، إمعانا في استثمار الطاقات الميثولوجية وتوظيفها واستدعاء علاماتها لتخصيب المقولة الشعرية الأساس في القصيدة، ذلك أن استدعاء بروميثيوس من شأنه أن يجلب معه صورة من صور النار التي سرقها من جبال الأوليمب لمساعدة البشر، وهذه الصورة هي صورة شعرية في فضائها الحكائي السردي تقوم بدور التنوير ومضاعفة طاقة النور الأسطورية، وتزويد الفعل البشري بما يجعله قادرا على الاستمتاع بالحياة في اكتشاف سبل أخرى جديدة لها.

Share this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *