“بلدٌ تلفُّ فيه الكواكب حول دعسوقة”.. شذراتٌ إيطالية مُعاصِرة

“بلدٌ تلفُّ فيه الكواكب حول دعسوقة”.. شذراتٌ إيطالية مُعاصِرة

محمد جبعيتي

 

إذا أردنا التفكير في العالم بطريقة كافكا “العَيْش في الحقيقة”، متجاوزين غموض المقولة وتعدُّد تأويلاتها، فإنها تأخذنا إلى مكانٍ واحدٍ: إننا نعيش في عالمٍ صاخبٍ ثرثار. أن يكون لديك جمهور هنا، يعني أن تكذب، وأن تقول أشياء كثيرة لا أهمية لها.

 

يقول إميل سيوران: “إنّ مأساة الكُتّاب بصفةٍ عامة تتمثَّلُ في كونهم يمتلكون جمهوراً ويكتبون لهذا الجمهور، وهذا لا يمكن أن يؤدّي إلا إلى عواقب وخيمة”.

 

يخوض المرء صراعاً عبثيّاً ضد النسيان، إذ يخشى أن تفوته عربة الذاكرة، “تُنسَى كأنّك لم تكن” مقولة محمود درويش، محاولة في التصالح مع العاديّ، في عالم مرعوب من النسيان، يسعى فيه الناس إلى الاختلاف بغباء.

 

نعيش في عالمٍ ثرثار يرتجل موتَهُ على مسرحٍ شديد الإضاءة، مؤثَّثٍ بشكلٍ مريبٍ، يختنق من ثِقَل الأشياء وكمّيتها المرعبة.. “الثقافة تغرق في بحرٍ من الكتب وفي وابلٍ من الجُمَل” يقول ميلان كونديرا.

 

نيتشه ذئبٌ وحيد، شيخ طريقة بلا مريدين أو أتباع، تطلَّعَ إلى المستقبل. والشذرة، كما عبّر فريدريك شليغل، فنٌّ يُخاطب المستقبل والأجيال القادمة.

 

تمرَّدَ نيتشه على الكتابة الأكاديمية، ولم يسجن نفسه في أيّ نسقٍ فلسفيٍّ، من هنا نستطيع أن نفهم الشذرة كنوعٍ أدبيٍّ، تولَّدَ بعد مخاضٍ عسيرٍ من رَحِمِ الرطانة الأدبية والبلادة الأكاديميّة والبؤس الفلسفي.

 

جاء هذا النص مختلفاً واستثنائيّاً وخاطفاً كالبرق، يُوحي أكثر مما يُصَرِّح، يُفَكِّك الأشياء ويُبَعْثِرها، ليضُمَّها من جديدٍ بلغةٍ شعريّةٍ، غامضةٍ ومفعمةٍ بالحكمة. الحكمة التي نضجت بعد تأملٍ وتفكيرٍ، فخرجت من أتون المخيّلة ساخنةً طازجة.

 

الشذرةُ، كتابةٌ تُقَوِّضُ نفسها، تخلو من البهرجة والاستعراض، راغبةً في التفلُّت والاختلاف، فتخون ضجة اللغة وصوتها المرتفع، ثرثرتها التي لا تقول شيئاً، إلى تكثيف المعنى في تراكيب لغوية، تحتشد فيها الأفكار والمشاعر والموسيقى.

 

في كتاب “بلدٌ تلفُّ فيه الكواكب حول دعسوقة ” الصادر عن دار خطوط وظلال للتوزيع والنشر في عمّان، وترجمه إلى العربية أحمد لوغليمي، نقرأ منتخبات من الكتابة الشذرية الإيطالية المعاصرة، مع تعريفاتٍ بكاتبيها.

 

ويبدو توقيت صدور الكتاب يحمل الكثير من التوفيق كما الذكاء، فهو يأتي في وقتٍ يشتدُّ فيه الاهتمام بأدب الشذرات، خصوصاً من روّاد مواقع التواصل الاجتماعي.

 

يتعقّب “فابريستيو كارامانيا” سؤالاً مقتضباً يؤرِّقُ ليلَهُ، ويُحَفِّزُ وعيَهُ، فيُحَوِّل الأرق إلى أداة تأمُّل: أين تذهب الجبال ليلاً حينما لا نراها؟، ولكن رغم العتمات التي تحيط بالحياة الإنسانية، إلا أنّ حياة الأطفال المفعمة بالضحك تمدُّهُ بالأمل، فيقول: لوصف الثلج، علينا أن نبدأ من ضحكات الأطفال. ثم يعود إلى أسئلته/ وساوِسِه: بِمَ تحلُم الأشواك حين تنامُ الزهرة؟ يتحايل على قسوة الأسئلة، بالعودة إلى نقاوة الطفولة وهشاشتها: أودُّ أن أصنع من حُبِّنا شيئاً بسيطاً وصافياً مثل لوحات الأطفال؛ حيث ثمة الكثير من الألوان والقليل من الأسئلة. لينتهي بالقول الفصل: العقل يعرف أشياء كثيرةً جداً، الجنون يعرف أكثر.

 

تكتب “نينا آين” نكايةً بالعالم، لأنه يرفض أن يُقال، فتقترح: لنقوم بشيءٍ مختلفٍ، علينا أن نهطل نحن على الأمطار. وتلاعب الكلمات بسخريةٍ مُرّةٍ: أنا خارجي، وأنتَ من لديكَ المفاتيح. تُجابِهُ ثقَلَ الفراق بخفّة الدعابة: عندما أرحل، لن أترك فراغاً بعدي، سآخُذُهُ معي أيضاً. فقدان الحرية يحوِّلُ الفردوس إلى غرفة تعذيب: الجحيم امرأةٌ محبوسةٌ مع ألف فستان في غرفةٍ بلا مرآة.

 

يستمتع “أنطونيو كاسترونووفو” بملاعبة الكلمات وضغطها في شذرة، يقول: كان يبتسم عندما يشمئِزُّ من العالم، فيراهُ الآخرون سعيداً. سوءُ الفهم سِمَةُ القرن الواحد والعشرين، فيُعْلِنُ لنا: بالنسبة للصُّم أنا أبكم.

 

ويُقلّب “ماركو إيركولاني” الأسئلة، دون أن يجد أجوبتها: لماذا أستيقظ وكأنّ أحداً ما ينامُ في داخلي؟ فيُجيبُ نفسه ساخراً: الشيخوخة هي الاستسلام للأجوبة.

 

“ألبيرتو كازيراغي”، الذي يرى أن الفرق يصنعه الإبداع النوعي والأصيل، وليس الشهرة، يقول: أجمل الأحلام تلك التي تترك الأجنحة مفرودة. وقد اختار أن يُواجِهَ سقوطَهُ وخيباته بالبدايات الجديدة: حينما تستشعر النهاية عليك أن تزرع بدايةً ما.

 

بالكتابة السَّاخرة، مستعيراً من الشِّعر عذوبته، ومن الموسيقى إشراقها وبهجتها، يقول “دوناتو دي بوتشي”: في الحب نحتاج ثلاثة قلوب: واحد لنُحِبَّ، واحد لنُحَبَّ، وآخر لنبقى وحيدين. يُخلق الشعراء في كل مكان كي لا يدوسوا آثار الله.

 

أمّا “ريكَّاردو دي دجينَّارو”، فيصدح بمرارة: اللعبة التي جلبت لنا أكبر قدرٍ من السعادة ونحن أطفال؛ كانت تحطيم الألعاب. ومع التقدُّم في العمر، ضيّعنا تلك الموهبة.

 

في حين يقول “أومبيرتو سيلفا” السينمائيّ والمحلل النفسانيّ: نفعل الخير لجعل الأشرار يشعرون بسُوئهم. إن كنا نحتاج لأكثر من ثلاثة أسطرٍ لقول حقيقةٍ كبيرةٍ أو خيانةٍ صغيرةٍ، فقد شَرَعْنا في الكذب. ويضيف في شذرته المفعمة بالحكمة: عندما تصير متأكداً من طريقك، اسلك طريقاً آخر.

 

 

ومما جاء في الكتاب من شذرات:

 

* يعيشون أسوأ عيشةً ليتمكَّنوا من الموت ميتةً جيّدة. (فرانتشيسكو بوردين)

 

* علينا أن نحيا الحياة لا أن نفكّرها، المفكّرة تنكر ذاتها وتقدم نفسها كقوقعةٍ فارغةٍ. علينا إذاً أن نملأ هذه القوقعة بشيءٍ ما، لا يُهِمُّ ما يكون. (أودجينو مونتالي)

 

* في الماضي كان الندم يأتي فيما بعد، صار الآن يسبِقُني. (إينيو فلايانو)

 

* لا نتحرَّرُ من شيءٍ بتلافيه، إنما، فقط، باقتحامه.  (تشيزاري بافيزي)

Share this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *