بيتر هندكه: لست مجنونا ومع ذلك لدي ميل إلى الانفصام

بيتر هندكه: لست مجنونا ومع ذلك لدي ميل إلى الانفصام

يقدم الشاعر والمترجم إسكندر حبش، للروائي الفائز بجائزة نوبل بيتر هندكه، برؤية سعت إلى قراءة سيرته إبداعيا وإنسانيا، حيث تتبع أعماله وتحولاته وأسفاره وناقش رؤاه وآرائه في الأدب والسياسة والثقافة، وذلك في مقدمته لكتابه “بيتر هندكه.. مازلت أنتظر الاعتذار”، حيث رأى أن هندكه كاتب أساسي لفهم تاريخ الحساسية الأوروبية التي تموضعت منذ العام 1965 تاريخ نشر روايته الأولى “الدبابير”، فهو مذ ذاك الوقت لم يتوقف عن الكتابة في مختلف الأنواع الأدبية: سير ذاتية، تجارب شعرية، قصص سردية تستمد عوالمها ومناخاتها من أحداث ووقائع حقيقية، قصائد، أدب رحلات، تحليلات متعرجة لهذه “الأنا” التي تشكله، مسرحيات، يوميات حميمة، ملاحظات حول شتى الموضوعات، سيناريوهات أفلام، مقالات، ومناقشات لأعمال الآخرين.

هذه المقدمة الطويلة حول هندكه وأعماله وسيرة حياته شكلت المفتتح للحوارات الستة التي اختارها حبش للترجمة في كتابه الصادر عن دار خطوط وظلال الأردنية، الحوار الأول أجرته صوفي بوجاس لمجلس “لوبوان” الفرنسية، والثاني أجراه ألكسندر لا كروا للمجلة الفلسفية، والثالث أجرته إيميلي غرونجوري لصحيفة “لوموند”، الرابع أجرته ألييت أرميل لمجلة “لير”، الخامس أجراه أنطوان دو غودومار لصحيفة ليبراسيون، والسادس أجراه إيريك دو روبرسي لمجلة “مجلة العالمين”. وهنا نستعرض جانبا مما حفلت به تلك الحوارات من أفكار وآراء لهندكه.

يقول هندكه ردا على تساؤل: ما هي عليه أنواع جنونك؟ “أشعر بالرغبة فعلا في معرفتها. أعتقد بأنني شخص سوي داخل رأسي، وفي الوقت عينه لدي ميل إلى أحلام ساحرة، على الكوابيس. بالنسبة إليّ الكتابة أمرا طبيعيا. حين أكتب أشعر بنفسي أنني مجرم وجد الحفرة التي سيرتكب فيها جرائمه، وفي الوقت عينه في هذه الحفرة أشعر بأنني على ما يرام. كأنه حقي.

ويضيف “الكاتب اليوم هو كائن عام. كان ألبير كامو يقول: “متعاضد، مستوحد”. نحن الكتاب نبدو ممزقين ما بين هذا الموقف العام وبين الوجود الخاص، وبين الوجود الخاص، ويبدو الأمر ناجحا بهذه الطريقة. حين لا يزورني أحد، أبقى هنا، ناظرا إلى السماء، أعمل في الحديقة. أحيانا أفضل ألا يأتي أحد! أشعر بالحاجة للقراءة كل يوم وبشكل كبير، بالنسبة إليّ، أن أقرأ يعني أن أفك الرموز. يقال بالفرنسية كما في الألمانية أيضا “هذا يقرأ بسهولة”، “يقرأ جيدا”، أعتقد أن ذلك أمر غبي؛ لأنني أنا من يقرأ وليس يُقرأ، وكأنه شيء، لم تكن القراءة لتكون أمرا سهلا!.

ويرى هندكه أن الغضب قد يشكل محركا للإبداع، “نقول أن الغضب غير مفيد، لا أوافق على هذا الأمر، الغضب شغف، حماسة، مثل الحب. تكمن الصعوبة في أن يصبح فعلا إبداعيا. أحيانا يجد الغضب صعوبة في أن يصير شكلا. لا يمكن للبغض أن يكون يوما مثمرا، في حين أن الغضب يمكنه ذلك.

ويشير إلى أنه رغم أسفارها التي امتدت إلى مختلف أرجاء العالم واستقراره في ضاحية باريس الشرقية لم ينس بلده الأم “صحيح أنني غادرت النمسا، لكن بالجسد فقط. ثمة جزء مني بقي هناك، مع أجدادي والينابيع والمراعي والمقابر كما مع اللغة الألمانية التي تشكل اللغة الأم، حتى وإن كانت والدتي سلوفينية، لم أنجح يوما في أن أسكن باريس، حيث إن قواعد اللغة بقيت غريبة عني.

ومع ذلك، فإن باريس بقيت بالنسبة لي مثل مكة أو القدس، ووصلت إليها للمرة الأولى قبل فترة طويلة، في سبعينيات القرن الماضي، وكان لدي الإحساس بالنمسا بأنني مراقب طيلة الوقت، بأن الحرية تنقصني في باريس، كيف أشرح لك ذلك؟ ليست هناك مياه في هذه المدينة إلا أن محطات مياه الشرب في كل مكان، وهناك الممرات حين بحثت عن منزل لاستئجاره، كنت مع ابنتي البكر، فوصلت إلى كلامار.

ومنذ اللحظة الأولى لتمركزي هنا، قلت لنفسي “هذا هو المكان”، كان يحمل لون السماء، إلى خط الأفق، إلى التلال، وبدأت بالسير على طول خطوط السكة الحديد، وعشقت هذه المناظر الطبيعية التي كانت تشتتني، وعند قدمي يمكن أن نجد الفطر، وفي الأسفل، لدي منظر يطل على باريس وعلى برج إيفل، يؤدي ذلك إلى علاقات غريبة. لقد فهمت أن العيش في الضاحية هي البعد الذي يناسبني فعلا.

حول شخصيات مسرحياته وكونها تحمل خطابا إلا أن مسرحياته بحد ذاتها لا تروي شيئا، يقول هندكه “أجل، هذا ما كان عليه الأمر، لكن لا تنظروا إلى هذا الأمر على أنه بمثابة نتيجة إيديولوجية أو رغبة طليعية، هناك أصوات عديدة في داخلي، ولست مصابا بفصام شخصية، بمعنى أنني لست مجنونا، لكن ومع ذلك لدي ميل إلى الانفصام، وخلال النهار ثمة أصوات كثيرة تتحدث في داخلي وتتناقض، تشتمني وتداعبني، كما أنها تشتم العالم وتداعبه، جعلتها تعبر عن نفسها في مسرحي، وبالرغم من أنني لا أعتبر نفسي مسرحيا فعليا، بل أعتبر نفسي كاتبا ملحميا، راويا وملحميا.

ويلفت هندكه إلى أن الإيقاع هو من يعطي العبارة سمتها الاستيتيقية، كما في القرآن؛ ليست العبارة هي فقط المهمة بل النشيد أيضا، إيقاع النص، في أي حال إن القرآن هو الكتاب الوحيد الذي لا يمكن ترجمته مطلقا، إلى أي لغة في العالم، أسأل نفسي دائما ماذا يمكن أن يفعله الإيرانيون؟ القرآن مرتبط بالرنة العربية، فمعناه مرتبط بشكل مطلق بموسيقاه.

ويؤكد: “أقرأ كثيرا لكي أركز، لكي أتطهر لكي أشعر ـوفي الوقت عينه  بأني شفاف وقوي لكي أفك الألغاز أكثر من أن أستهلك أهوي دماغي عبر العمل على اللغة، في هذه اللحظة مثلا أترجم شعرا عربيا. عملت كثيرا على الترجمة، علي سبيل المثال، ولكي نكتفي بهذه الأسماء الفرنسية: باتريك موديانو، فرنسيس بونج، رينيه شار، وبفضل شار، كتبت التالي “تيقنت بأنني لم أتعلم القراءة أبدا. لدي ميل لالتهام الصفحات بدلا من أن أتمهل متأملا تركيب كلمات بسيطة مع فرجيل وهولدرلن وشار تعلمت القراءة حقا، تعلمت أن أرى كان الأمر بمثابة دخول إلى قلب جبل واكتشاف بأن هناك نورا آخر؛ نور اللغة”.

وعن علاقته بالحقيقة قال: “مشكلتي الشخصية لا تكمن في الحقيقة، بل بالرغبة في أن أكون حقيقيا. بالمعنى الذي استطاع فيه سيزان أن يقول: أريد تحقيق اللوحات. يبحث الفنان، بهذا المعنى، على تحقيق الحقيقة، وبدأت الكتابة قبل ما يقارب الخمسين عاما، واليوم لازلت في رحلتي البحثية هذه أشبه الباحث، أتقبل الخسارة، أرغب جيدا أن أخسر بنظر العالم لكن لا أريد أن أكون خاسرا في الكلمات”.

Share this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *