ترجمة تستكشف الرومانسية في الشعر الإسباني “حاشية ذهبية لنجمة بعيدة” قصائد تشبه تيارا عالي التوتر.

ترجمة تستكشف الرومانسية في الشعر الإسباني “حاشية ذهبية لنجمة بعيدة” قصائد تشبه تيارا عالي التوتر.

قدم الروائي والمترجم العراقي عبدالهادي سعدون ترجمة جديدة لمختارات من قصائد الشاعر الإسباني غوستافو أدولفو بيكر (1836 – 1870)، وعنونها بـ”حاشية ذهبية لنجمة بعيدة”.

وتحمل هذه المختارات توهجا جماليا وفنيا وإنسانيا عميقا، وبعدا روحيا شفافا، حيث تغتني النصوص بصور ورؤى وتأملات تشتبك فيها الذات مع وجودها الإنساني كاشفة عن قلق وتوترعميقين، وتلفت إلى زخم تجربته رغم حياته القصيرة وتفردها ومغايرتها للمنظومة الشعرية في تلك الفترة.

حياة قصيرة

غوستافو أدولفو بيكر وفقا للمترجم يعد أهم شعراء الرومانسية الغنائية في القرن التاسع عشر، كما أنه من مجددي الشعرية الإسبانية في وقته، رغم أنه مات شابا ولم ينشر في حياته القصائد التي سيضمها ديوانه المعروف في ما بعد باسم “RIMAS” أي قصائد أو أنغام أو قوافي إذا أردنا ترجمتها حرفيا.

وقال سعدون إن بيكر كان خلال حياته القصيرة مثال الأديب المشتعل بالحيوية والنشاط رغم تكدير مرضه عليه، فقد أمضى شبابه بتعلم الرسم رفقة شقيق له يدعو باليريانو، الذي أصبح في ما بعد من أهم رسامي القرن التاسع عشر.

كما أنه كان على اتصال واسع بالأوساط الأدبية، وقارئا نهما للآداب الفرنسية والشعر الإسباني في عصوره الذهبية. وقد جعله وصوله إلى مدريد يحتك بكثير من أدباء عصره، ولكنه كان يجد نفسه ضائعا برومانسيته المفرطة وشعريته المختلفة التي توصف إجمالا بـ”قصائد قصيرة، بسيطة وعميقة ومجددة”.

كان الشاعر مختلفا عن مجايليه، ويشعر بأنه لا مجال له أمام شعرية القرن التاسع عشر المتألق بقصائده المفخمة والمزخرفة الفضفاضة. إزاء هذا كان بيكر يكتب الشعر ولا ينشر سوى القليل منه، ومن هنا فإن قصائد ديوانه التي ترجمها سعدون هنا، لم تنشر سوى بعد موته، وحصل أن تم الاحتفاظ بالديوان مصادفة، بينما كان مصير أوراق أخرى له الضياع أو الحرق. أما اليوم فلا يعرف عن نتاجه سوى كتاب القصائد هذا وكتاب حكائي بعنوان “خرافات أو أساطير”.

يقول سعدون “إن حياة بيكر في مدريد كانت صعبة جدا، فقد عاش عيشة بائسة ولم يستطع العمل سوى في أعمال متفرقة كمترجم وكاتب مقالات بالأجرة في الصحف المدريدية، كما حاول الكتابة للمسرح بالاشتراك مع آخرين. وعام 1857 أصيب بمرض السل، وكانت بوادر نهايته، ولكن نشاطه استمر بلا توقف حتى رحيله”.

ويضيف المترجم “آنذاك زار مدن إسبانيا لدراسة الآثار والتعرف على تفاصيلها، ثم تزوج عام 1861 بامرأة متوسطة الثقافة لم يستطع أن يحصل منها على السعادة والاستقرار. فكان أن عاوده المرض بشكل أكبر حتى اختفت آثاره من الوجود عام 1870. ولم تهتم بخبر رحيله سوى صحيفتين محليتين نشرت عنه أسطرا قليلة”.

ستون قصيدة

ن، ومنهم أنطونيو ماتشادو وصاحب نوبل خوان رامون خمينيث وفدريكوغارثيا لوركا، وهي نفس الأصوات التي عادت

 

لقراءته والكتابة على منواله وتحريض الأجيال الجديدة للنظر إلى قصائد بيكر، ليس كونها قصائد عاطفية أولية وشعرية مبتدئة بل كونها قصائد تتسم بالنض

ج والعمق والسمو الشعري، هذا إضافة إلى خروجها وتمردها الأولي على منظومة الشعرية الصارمة آنذاك.

لقد كانت قصائد بيكر على رأي ماتشادو “أشبه بتيار عالي التوتر، نزيف جرح طازج، لذا رفضه عصره لأن بساطة التعبير لديه لم تأتلف مع الشعر الإسباني في تلك الحقبة بأدائها المسرحي ومساحيقها اللغوية المبالغ بها”.

وتابع سعدون “انتخبت هنا أهم ما وجدناه في هذه القصائد التي تركها الشاعر مخطوطة ولم تنشر في حياته. لذا كل طبعة جديدة منها تتم إضاف

ة جديدة أو تعديل ما أو رؤية أخرى. ترجمتي هذه لستين قصيدة من الكتاب أنجزناها عام 2001 بمناسبة الاحتفال العالمي بالشاعر في مدينة سرقسطة، وبقيت دون نشر في كتاب باللغة العربية حتى اليوم.

لهذه الطبعة الأولى من ترجمتي، راجعت نصها على آخر الطبعات الإسبانية المتوفرة وأجريت عليها التغييرات ووصلت إلى صيغتها النهائية المتوافقة مع الأصل الإسباني”.

كما يشير المترجم أيضا إلى أنه اتخذ لترجمة النسخة المعترف بها من تصنيف وترتيب الشاعر نفسه، حسب المخطوطة التي وجدت بعد فترة بين كتبه، ومع هذا فلا يمنع أن تكون هناك عدة كتب ومنتخبات عن قصائد بيكر تنحى بشكل مختلف في الترتيب والتذييل، فالأهم أولا وأخيرا، في رأيه، أن تقرأ بكونها شعرا حقيقيا، وصوتا تفرد على عصره لنقل الشعرية إلى الحياة، ولغة الحياة لتمتزج بالشعر.

Share this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *