شعراء قتلهم التمرد والحب أبحاث تراثية عن إعدام الشعراء في التاريخ العربي والإسلامي.

شعراء قتلهم التمرد والحب أبحاث تراثية عن إعدام الشعراء في التاريخ العربي والإسلامي.

 

التربص بالشعر والشعراء المتمردين يمتد من العصر الجاهلي إلى الإسلامي إلى العصر الحديث، حيث لم تخل فترة في التاريخ العربي والإسلامي من مواجهة تكيل الاتهامات التي وصلت إلى حد الطعن والتفتيش في الضمير الإنساني والديني والسياسي والاجتماعي، وطالت فيها سيوف الملوك رقاب الشعراء لما نظموه من مديح أو هجاء قوبل بالرفض والاستهجان.

من هنا كانت طرافة الفكرة التي تتبعها في التاريخ العربي والإسلامي الكاتب محمد عنيبة الحمري في كتابه “إعدام الشعراء.. أبحاث تراثية”، راصدا لثلاثين شاعرا وصل التربص بهم إلى حد القتل بتهم الهجاء والزندقة والتشبيب والاختلاف مع السلطة، وهنا لا يمكن تجاهل الألم في أن يكون مصير الشاعر “الإعدام”، سواء كان هذا الإعدام معنويا أو ماديا جراء آرائه وأفكاره سواء كانت حملتها القصيدة أو آراؤه، خاصة وأن الأمر يمتد إلى اللحظة الراهنة.

كتاب مقطوع الرأس

يفتتح الحمري كتابه الصادر عن دار خطوط وظلال بإضاءة طريفة عن رؤيته، يقول “حين أتممت الكتاب قصدت أحد الجلادين القتلة ليضع له مقدمة باعتباره أحد المختصين الممارسين في الميدان، فتساءل الرجل عن مضمون الكتاب، قلت ‘إنهم شعراء اتهموا تهما مختلفة، كالزندقة والإلحاد والعصيان والعشق، ولأسباب ذاتية أحيانا، وتم إعدامهم من طرف ذوي السلطان، كالخلفاء والأمراء والولاة والقضاة، وبطرق مختلفة، كالخنق والقتل والشنق والسجن حتى الممات’”.

ويضيف “بدا الرجل منشرحا وهو يرحب بالفكرة ثم اختفى. وبعد مدة، عثرت عليه بالصدفة، واستفسرته عن مصير المقدمة، فقال ‘لقد كتبتها وكانت دموية، فأعدمتها’، قلت ‘كيف؟’ قال ‘مزقتها إربا إربا’، فقلت ‘لماذا؟’ قال ‘إنها المهنة’… هكذا يظهر الكتاب مقطوع الرأس دون تقديم”.

شعراء متمردون

يبدأ الحمري بالشاعر طرفة بن العبد الذي توفي سنة 60 قبل الهجرة لافتا إلى أنه شاعر متمرد على السلطة العربية التابعة للسيادة الفارسية، لذلك لم يتورع عن هجاء ملك الحيرة عمرو بن هند. كان له حس فلسفي، عاش معاقرا لذائذ الحياة بمواجهة الموت رغم الحياة القصيرة حيث عاش 26 عاما.

ويشير في كتابه إلى أن طرفة كان جريئا في مواجهة الملك، فهجاه علانية وشاركه في هجائه خاله الشاعر المتلمس، قال طرفة:

إن شرار الملوك قد علموا
طرا وأدناهم من الدنس
عمرو وقابوس وابن أمهما
من يأتهم للخنا بمحتبس
يأتي الذي لا تخاف سبته
عمرو وقابوس قينتا عرس
يصبح عمرو على الأمور وقد
خضخض ما للرجال كالفرس

ولما سارت قصائد ابن العبد الهجائية وتناقلتها الألسن، فكر الملك في التخلص من الشاعر وخاله المتلمس فقربهما إليه وأرسلهما إلى عامله في البحرين، وبيد كل منهما خطاب باسم الملك يحمل أمرا بقتل حامل الخطاب وأوهمهما أنه كتب بجائزتيهما إلى عامله.

وتلقى العامل أمر الملك بالإسراع في تنفيذ الحكم، فأحضر طرفة وقال له “إني قاتلك الإعدام، فأجابه “إن كان ولا بد، فاسقني الخمر وافصد عرقي”، فسقاه الخمر حتى أثمله ثم فصد أكحله، فما زال دمه ينزف حتى مات.

الشاعر الثاني هو عدي بن زيد توفي سنة 35 قبل الهجرة وهو من شعراء الجاهلية المجيدين، يشير الحمري إلى أن المراجع تحكي أنه تعلم الفارسية وقال الشعر واستطاع أن يصل إلى ديوان كسرى، فكان أول من كتب العربية في ديوانه، وصارت له مكانة عند أهل الحيرة، وكان كسرى معجبا به مقربا إياه، وكان يرسله الى ملك الروم بهداياه. وعدي هو الذي تدخل لدى كسرى بعد قتل عمرو بن هند في تولية النعمان بن المنذر على العرب، بل إنه احتال في ذلك حتى ولاه من بين إخوته وكان أذمهم، ولم يكن يعلم أن نهايته ستكون على يديه، وعدي هو القائل:

عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه
فإن القرين بالمقارن مقتدي

كانت نهاية عدي على يد النعمان بعد أن حرضه أعداؤه عليه، وقيل إنه ندم على قتله وعلم أنه قد احتيل عليه، وقيل إن عدي كان يهوى هند بنت النعمان وله فيها أشعار، بل قيل إنه تزوجها ومكثت معه حتى قتله النعمان، فترهبت وحبست نفسها في الدير المعروف بدير هند في ظاهر الحرية. هكذا تنتهي حياة شاعر آخر بالقتل داخل السجن بإشراف النعمان وتنفيذ الأعداء وتزوير شهادة رسول كسرى وإرشائه.

ولا تختلف نهاية عدي عن نهاية عبيد بن الأبرص صاحب المعلقة المشهورة بين المعلقات العشر والذي أعده ابن سلام في الطبقة الرابعة من فحول الشعراء الجاهلية، حيث خيّره المنذر بالقتل “إما صفد الأكحل وريد في وسط الذراع أو الأبجل عرق في الرجل أو اليد أو الوريد عرق في العنق”. فقال الأبرص “إن كنت لا محالة قاتلي، فاسقني الخمر حتى إذا ماتت مفاصلي، وذهلت لها، فشأنك وما تريد”. فأمر المنذر بحاجة الشاعر من الخمر حتى إذا أخذت منه، دعا به ليقتله، ففصد، فلما مات غري به الغريان. وانتهت حياة الأبرص هذه النهاية تلبية لنشوة المنذر.

ميتة غير إنسانية

قطع الحجاج بن يوسف الثقفي رأس الشاعرين أبوجلدة بن عبيد وأعشى همذان لوقوفهما مع ابن الأشعث في حربه معه، على الرغم من أن الأول من أخص الناس لديه ومستودع أسراره، ولكنه أمر بقطع رأسه التي حملت إليه فمكث ينظر إليها طويلا ثم قال “كم من سر أودعته في هذا الرأس فلم يخرج حتى أتيت به مقطوعا”. أما الثاني فعلى الرغم من سعيه للإفلات بمدح الحجاج بقصيدة تربو على العشرين بيتا، رغم استحسان الحاضرين للقصيدة وطلبهم الحجاج إخلاء سبيل الشاعر إلا أن الحجاج قال له “أظننت يا عدو الله أنك تخدعني وتفلت من يدي”، ثم استدعى حارسه وأمره بضرب عنقه فقطع رأسه أمام الحاضرين.

وأعدم عبدالرحمن بن إسماعيل بن عبد كلال، الملقب بـ”وضاح اليمن” لجماله وبهائه بطريقة غير إنسانية نتيجة عشقه وتغزله في أم الخليفة الأموي وليد بن عبدالملك، يقول الحمري “تبدأ الحكاية حين استأذنت أم البنين بنت عبدالعزيز ابن مروان، الوليد بن عبدالملك في الحج، فأذن لها الوليد وهو خليفة آنذاك، غير أنه توعد الشعراء جميعا أن يذكرها أحد منهم، أو يذكر أحدا ممن معها. فقدمت مكة، وتراءت للناس، ونظرا لجمالها ومكانتها تصدى لها أهل الشعر والغزل متحدين وعيد الخليفة، غير أن أم البنين وقعت عينها على وضاح اليمن رغم قناعه، ويبدو أن وضاح هو الشاعر الوحيد الذي صرح بتشبيبها ما أصبح معروفا وذائعا. بل إن الروايات تضيف أن الاتصال ظل مستمرا بعد الحج، وكانت أم البنين ترسل إلى شاعرنا ليدخل إليها ويقيم عندها فإذا شعرت بخوف، وارته في أجمل صندوق عندها خاص بهداياها. وعلم الخليفة الوليد بذلك عن طريق الخدم، ليفاجئها ذات يوم وقد علم بوجود وضاح اليمن لديها، فيدخل حجرتها الخاصة طالبا إليها صندوقا كانت تجلس عليه، لحاجته إليه، فتعرض عليه جميع صناديق الحجرة إن أرادها، لكن الوليد يلح على هذا الصندوق الذي تفضله أم البنين، لأنه يعلم ما بداخله. وأمر الوليد بحمل الصندوق حتى انتهى إلى مجلسه، وأمر بحفر بئر عميقة في المجلس إلى أن وصل الحفر إلى الماء، ووضع الصندوق على شفير البئر ودنا منه الوليد وقال ‘يا صاحب الصندوق، إنه بلغنا بشيء، فإن كان حقا فقد كفيناك ودفناك وقطعنا ذكرك، وإن كان باطلا فإنما دفنا الخشب وما أهون ذلك’. ثم قذف به في البئر وهال عليه التراب، وسويت الأرض ورد البسط إلى حاله وجلس الوليد كعادته. وقيل لما دفن وضاح اليمن لم ير الوليد ولا أم البنين في وجه واحد منهما أثرا حتى فرق الدهر بينهما”.

أما أبويحيى حماد بن عمر بن يونس الكوفي المعروف بـ”حماد عجرد” فهو شاعر من طبقة بشار بن برد، وكانت بينهما مهاجاة، وكان ماجنا ظريفا متهما في دينه. وذكر ابن قتيبة أنه كان بالكوفة ثلاثة أنفار يقال لهم الحمادون: حماد عجرد، وحماد الرواية، وحماد ابن الزبرقان، يتنادمون على الشراب ويتناشدون الأشعار، ويتعاشرون، وكانوا كأنهم نفس واحدة، يرمون بالزندقة، وأشهرهم حماد عجرد. ويحكى عن أبي نواس قوله “كنت أتوهم أن حماد عجرد إنما رمي بالزندقة لمجونه في شعره، حتى حبست في حبس الزنادقة، فإذا حماد عجرد إمام من أئمتهم. وتشاء الصدف أن تكون نهاية حماد عجرد على يد محمد بن سليمان بن علي عامل البصرة، حين جد في طلب الشاعر بسبب تشبيبه بأخته زينب، فخاف حماد خوفا شديدا، وكتب شعرا يستعطفه دون جدوى، ولم يكتف بذلك بل مضى إلى قبر أبي محمد بن سليمان يستجيره دون فائدة”.

Share this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *