عارف فرمان يَرصد روائيّاً معاناة اللاجئين الأفغان في إيران

عارف فرمان يَرصد روائيّاً معاناة اللاجئين الأفغان في إيران

محمد جبعيتي

 

تدور حكاية رواية “الأفغاني” للروائي عارف فرمان، والصادرة حديثاً عن دار خطوط وظلال في عمّان، حول “عليّ” الشخصية الرئيسة في الرواية، الذي اضطُّرَّ للهرب من مدينته كابُل، بعد  ملاحقَتِهِ من الأجهزة الأمنيّة الأفغانيّة، واعتقال والِدِه وتعرُّضِهِ للتعذيب، بسبب نشاطاته السياسية ضدَّ نظام كارمَل، بينما كان طالباً في كلية الأدب الفارسي، ما أدَّى أيضاً إلى مقْتَلِ صديقِهِ ورفيقِهِ في الثورة إثر التعذيب.

 

تشغَلُ رحلةُ اللجوء، وما فيها من مخاطرَ وأهوالٍ، بدايات الرواية. إذ يتعرَّض اللاجئون إلى احتيال المهرّبين، ووحشيّة حَرَسِ الحدود، وقسوة الطُرُق الجبليَّة الوَعْرَة، اضطُّرُّوا للتوغل بين الجبال أياماً عديدةً، والسَّير ليلاً وراء أدِلَّةٍ قُساةٍ، لا يَعْبَؤونَ بالضعيف والمريض، لدرجة التخلّي عنهم، وتجريدِهم من أموالهم، وتَرْكِهم للموت. أثناء رحلة لجوئهم، وَقَعَتْ حادثةٌ أليمةٌ قُتِلَ فيها اثنا عشر شخصاً على حدود باكستان، بعد أن أطْلَقَتْ طائرةٌ مروحيَّةٌ نارَ أسلِحَتِها الثقيلة نحوهم. وكانت حركةُ لجوءِ “عليّ” من العاصمة كابُل باتجاه إيران عبر الأراضي الباكستانية، واستمرَّت رحلَتُهُ المحفوفة بالمخاطر، لتنتهيَ في مدينة “زاهدان” الإيرانية، والتي تَقَعُ على الحدود مع باكستان، كمحطةٍ أولى للجوئِهِ في إيران.

 

اضطُّرَ “عليٌّ” في مدينة زاهدان للأكل من القاذورات، والنوم في الشوارع بأسمالِهِ الرَّثَّة، وجسَدِهِ المُتَّسِخ الهزيل، وكانت الشتائم وعبارات السخرية كلَّ ما يَسْمَعُهُ من الناس: “أيها الأفغاني القَذِر، آكِل الموتى، كلكم لصوص” (ص80)، ويُطْرَدُ من المطاعم والمحلّات بعد الرَّكْل والصراخ باسم جنسيَّتِه، “كلما أسمع كلمةَ أفغانيّ، كنتُ أشْعُرُ أنَّهم يدعونني “يا لص” أو “يا مجرم” أو “يا همجيّ”. لم أجرؤ على أن أطلُبَ منهم أن ينادوني باسمي، وألا يقولوا يا أفغاني، يا أفغاني.” (ص87).

 

بعدها توجَّهَ إلى مدينة شيراز بحثًا عن عملٍ، حيث واجَهَ المعاناة ذاتها، من سوء معاملةٍ، وقِلَّةِ أُجور، ووحشيةِ الشُّرطة. في المدينة، تعرَّفَ على أصدقاءٍ أفغان يَعْمَلونَ في ورَشِ البناء، كان كلُّ واحدٍ منهم يروي ذكرياته غير السعيدة، عن المصائب والأوجاع والمشاكل. حكاياتٌ تقشعِرُّ لها الأبدان، يتبادلونها في حزنٍ، إذ لِمَن يشكون، ولا يسمعهم أحد؟!

 

المهاجرون الأفغان الذين استطاعوا الوصولَ إلى إيران، وجَدوا أنفسَهم يعيشون في ظروفٍ صعبةٍ، يعملون في البناء والزراعة وأعمال النظافة مقابل مبالغَ زهيدةٍ، فيكون العمل أشبَهَ بالعبودية، تُلاحِقُهم السُّلُطات لتزُجَّ بهم في السجن أو تُرَحِّلَهم عبر الحدود.

 

المتنُ الروائيُّ وصفٌ طويلٌ ومريرٌ لما يَمُرُّ به اللاجئ الأفغاني في إيران، وما يلقاهُ من معاملةٍ غير إنسانيةٍ، كأنْ لا بصيصَ نورٍ أو فُسْحَةَ أملٍ. المعاناةُ تُسَيّجُ حياتَهُ وتملَؤها بالحزن واليأس، وظروفُهُ قاسيةٌ يصعُبُ على المرء تَحَمُّلُها.

 

 

الهجرة

شكّلت الهجرةُ ثيمةً أساسيةً في رواية “الأفغاني”، لما تُحيلُ إليه من معاني الرحيل والاجتثاث والشّتات وعدم التَّجَذُّر، فالهجرةُ تجاوَزَتْ تَرْكَ المكان الحميميّ “أفغانستان” إلى أبعادٍ فلسفيةٍ ونفسيةٍ، واكتَسَبَتْ طابعاً تراجيديّاً مأساويّاً. تحوَّلَ المكانُ من كَوْنِهِ مجردَ مساحةٍ جغرافيّةٍ إلى مساحةٍ من الارتباط النوستالجي والدلالات الشعرية.

 

يُهاجِرُ الشّاب عَلِيّ إلى إيران حالماً بحياةٍ أفضل، لكنَّ أحلامَهُ تتحوَّلُ إلى كوابيس. بَحَثَ عن حُريَّتِهِ في محيطٍ يقمَعُ الحرية، وعن الأمان بين أناسٍ يكرهونَ قَوْميَّتَهُ، وعن حماية إنسانيتِهِ وكرامتِهِ في مكانٍ يَحُطُّ من قيمة الإنسان، ويسلُبُ أبسطَ حقوقِهِ. إنّ شرورَ الواقعِ الذي عاشَهُ المهاجرون الأفغان سبَّبَ لهم الشعور بالاغتراب والتِّيه والانكسار المعنوي، وانشطار الذات الإنسانية وتمزُّقها، فقد جعلها تعيشُ حالةَ تساؤلٍ حول جدوى الحياة ومعناها، محاصرةً بالجوع والخوف الدائمَين.

 

 

في السجون ومعسكرات الاعتقال

يتعرَّضُ عَلِيٌّ للاعتقال والزَّج به في السجن أكثر من مرةٍ، لأسبابٍ متعددةٍ، تبدو في أغلب الأحيان واهيةً. وهناك كان السَّجّان يتفنَّنُ في ألوان التعذيب لتحطيم روحِهِ المعنويَّةِ، وكَسْر إرادَتِه. يقومُ السَّجّان باتِّباع كل الطرق والوسائل النفسية التي يُمْكِنُ لها أن تُشْعِرَ عليّاً بالضعف والذل. منذ اللحظة الأولى للاعتقال بدأت رحلة المعاناة، ألقَوا به في الزنزانة، وهي مكانٌ قذرٌ تنتشر فيه المخلّفات البشرية، وتنبعِثُ منه روائحُ كريهةٌ، مظلِمٌ لا تدْخُلُهُ أشعَّةُ الشمس، شديد البرودة، مصمَّمٌ لتحطيم إرادته، وقهْرِ عزيمَتِه.

 

قضى فترة التحقيق تحت ظروفٍ قاسيةٍ، في عُزْلَةٍ عن العالم، محاصراً بالمحقِّقين الذين يستعمِلون جميع الطرق والوسائل الممكنة من إهانةٍ وتعذيبٍ لانتزاع اعترافاته، وتأكيد التُّهَم الموجَّهَةِ ضدّه؛ “كانت الضرباتُ تنهالُ على جسمي بخِسَّةٍ ومن دونِ تَوَقُّفٍ. ومع كل ضربةٍ، كنتُ أقفِزُ من الأرض، ويحرق لهيب الألم جسمي كُلَّهُ. وعندئذٍ كانت الضرباتُ تتوالى على روحي. وعندما تَعِبَ مُعَذِّبي، أدخلوا رأسي وقدمي في إطار شاحنةٍ، وكان ظهري إلى الخارج. وعندئذٍ، ألهبوا ظهري بالسَّوْطِ كما شاؤوا”. (ص 204)

 

قبْلَ طَرْدِهِ إلى باكستان، اقتادَتْهُ السلطاتُ الإيرانيةُ إلى معسكر “سفيد سانك” للعمل الإجباري، برفقة مهاجِرينَ أفغان آخرين، حيث عَمِلَ بالسُّخْرَة عدّة أشهرٍ في تمهيد الطُرُق، بدلاً من شاحنات حَمْل الرمال الكبيرة، والأوناش، والمعدّات الثقيلة، تحت مراقبة الجنود المُمْسِكين بالسياط الذين لا يتوقفون عن الضرب بالسوط، وإطلاق الشتائم التي تَتَّجِهُ إلى “القومية الأفغانية”.

 

الحب المرير والزواج المستحيل

بَرَزَتْ في الرواية شخصية “مريم”.. فتاةٌ إيرانيةٌ في السابعة عشرة، ابنةُ صاحبة البيت الذي استأجَرَهُ عليٌّ وأصدقاؤه. وَقَعَ في حُبِّها بعد عدة لقاءاتٍ، وطلبها للزواج من أعمامها وخالها، إلا أنهم رفضوا بسبب قوميَّتِه الأفغانية. بل وصل الأمر إلى طَرْدِهِ ومحاولةِ قَتْلِهِ، بعد اتهامه بالزنا وتلطيخ شرف ابنتهم. يَصِفُ عليٌّ مدى حُبِّه لمريم وشِدَّةَ تعلُّقِهِ بها، تضحياتِهِ للزواج منها وتعرُّضَه بسببها للتعذيب، العملَ الشّاقَ للحصول على المال من أجل الزواج وشراء خاتم الخِطْبَة، خيبَتَهُ الكبيرة بعد أن رفض أهلُها تزويجَها له، ومطاردتَهُ المستمرة من الشرطة الإيرانية.

 

تنتهي قصة الحب بعد وصولها إلى طريقٍ مسدودٍ، ويحدُثُ الهجْرُ والفِراق، فالحُبُّ منذ البداية صَعْبُ المنال، وتحقيقُهُ ليس بالأمر الهيّن، شكَّلَ الحُبُّ رهاناً خاسراً، أن يتزوَّجَ أفغانيٌّ من إيرانيةٍ كان ضرباً من المستحيل. والنساء يَقَعْنَ تحت ضغط المجتمع الذي يُطالِبُهُنّ بالزواج المُرَتَّب من الأهل، هكذا أُرْغِمَتْ مريم على الزواج من ابن خالِها المُدْمِن، وكان الألمُ وحسرَةُ الحُبِّ من نصيبِ عَلِيّ، يقول: “الشيء الوحيد الذي كان موجوداً، وقد ملأ الوجودَ كُلَّهُ هو الألم، ألمُ فقدان مريم!”.

 

تنتهي رحلة معاناة رجَبَ بعد رحيله من إيران إلى الهند بأوراقٍ مزوَّرَةٍ، بوابة الخروج من المطار كانت خلاصَهُ من السجن الذي عاش فيه سنواتٍ من الألم والحرمان. انهارَتْ قيودُهُ، وعادَ قلبُهُ للخفقان، وتدفَّقَتْ دماءُ الحياة في شرايينه، أخَذَ نفَساً عميقاً، عميقاً جداً، وبكى مثلما لم يَبْكِ في حياته.

 

عن فرمان

وُلِدَ عارف فرمان العام 1967 في مدينة كابُل لأسرةٍ متعلِّمَةٍ، واضطُّرَ للهجرة إلى باكستان، بسبب الأوضاع الأمنية غير المستقرة في بلاده نتيجة الحروب الأهلية. إلا أنه لم يستَقِرَّ هناك فشَدَّ الرِّحال إلى إيران، حيث عمِلَ فيها جنباً إلى جنبٍ مع المهاجرين الأفغان. ثم سافر إلى الهند وهناك تعلَّمَ اللغتين الإنجليزية والأوردو، كما أنه طيلَةَ سنتَين من إقامته في تلك البلاد نَشَرَ قِصَصَهُ في الصحف والمجلّات الهندية.

 

وأخيراً استقرَّ عارف فرمان في السويد، وبعد نجاحِهِ في تعلُّم اللغة السويدية عمِلَ مُتَرجِماً لدى إدارة الهجرة، كما أنه نال درجة الليسانس في علم الاجتماع من جامعة “جوتنبرج”، ثم بدأ حياته المهنيَّةِ بالعمل في التدريس.

 

وفي العام 1999 صدَرَتْ أوَّلُ روايةٍ له بعنوان “مكانٌ للعَيْش”، تدورُ حول رحلات أحد المهاجرين الذين فقدوا منازلهم، كما نَشَرَ روايته الثانية “الأفغاني” سنة 2011، وأما روايتُهُ الثالثة “أخضر، أحمر، أزرق” صَدَرَتْ عام 2014. ولا تزال لدى عارف فرمان عِدَّة كتاباتٍ أخرى لم تُنْشَر بعد، وقد تُرجِمَتْ له باللغة الإنجليزية مسرحيةٌ بعنوان “تقاليد”.

 

جدير بالذكر أن رواية “الأفغاني” لعارف فرمان،  ترجَمَها غسّان حمدان، وتقَعُ في مئتين وثمانٍ وسِتّين صفحة من القطع المتوسط.

Share this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *