مئة شاعر أفريقي يفتحون لقرائهم العوالم الساحرة للقارة

مئة شاعر أفريقي يفتحون لقرائهم العوالم الساحرة للقارة

على الرغم من أهميتها الحضارية لم تحض أفريقيا بالاهتمام البحثي الكافي لرصد فنونها وآدابها ومختلف منتجات حضاراتها المتعاقبة. الحركية التاريخية هذه استفاد منها الشعراء الأفارقة بشكل كبير، لكن أغلبهم بقي حبيس لغته الأصلية أو محلّيته، حيث من النادر أن يتناول الشعر الأفريقي بالرصد أو التحليل رغم أهميته البالغة.

يفتح المترجم نجيب مبارك في مختاراته التي ترجمها من الشعر الأفريقي نافذة واسعة تكشف عمق التجربة الشعرية الأفريقية وثراءها وفرادة وحيوية رؤاها ومخيلتها وتفاعلها مع الطبيعة والقضايا التي يعانيها الإنسان الأفريقي.

المختارات التي تتضمن قصائد لمئة شاعر من أربعين دولة أفريقية جاءت كاشفة لجمالية وفنية القصيدة، ومؤكدة على التمايز والخصوصية التي تتمتع بها كل دولة على حدة على الرغم من تشابهها جميعها في مواكبة شعرائها للتجربة الشعرية الإنسانية التي تعلي من حضور قضايا الهم الإنساني والهم الذاتي.

حضارات متحركة

نافذة واسعة تكشف عمق التجربة الشعرية الأفريقية وثراءها

يؤكد مبارك في تقديمه للمختارات الصادرة عن دار ظلال وخطوط بعنوان “همس الأسلاف.. أنطولوجيا الشعر الأفريقي المعاصر” أن أفريقيا أو القارة الأفريقية لا تقدم نفسها في صورة حضارة واحدة منسجمة، وإنما عبر فسيفساء من الحضارات تختلط فيها الأعراق والإثنيات واللغات والثقافات والأديان والفنون والعادات، وهي تختلف بشكل كبير من حقبة إلى أخرى.

ولأنها قارة ضاربة جذورها في التاريخ باعتبارها مهد الإنسانية الأول فقد كانت مسرحا لصراعات وتحولات ومآس كبرى على مر القرون، لكنها اليوم تسعى لتجاوز شروط تأخرها الحضاري وتتطلع نحو المستقبل بتفاؤل وطموح ودينامية جديدة.

ويضيف “إذا قمنا مثلا برسم ثلاث خرائط لأفريقيا تفصل بينها آلاف السنين سوف ندرك عمق الحركية الهائلة التي طبعت دائما هذه القارة رغم أن التضاريس القائمة بما فيها الصحراء وجبل كليمنجارو أو الصدع الكبير ظلت ثابتة على المستوى البشري، وهذا الغنى انعكس طبعا على الإبداع الأدبي الأفريقي وعلى الشعر بشكل خاص. لكن في مقابل هذه الحركية المستمرة منذ قرون فإن ما يستدعي الانتباه اليوم هو تلك الفروق الدقيقة بين منطقة وأخرى، حيث يمكن الحديث عن أفريقيات داخل هذه القارة الغنية والفسيحة.

ويوضح مبارك “أولا تبرز هذه الفروق من الناحية الجغرافية، خصوصا إذا تحاشينا النظر إلى المزالق الكولونيالية التي فرضت بشكل متعسف واعتباطي حدود الدول الجديدة على خارطة القارة، حيث يمكننا الانتقال بسهولة من دولة إلى أخرى، بل من كيان جغرافي موحد ومنسجم إلى كيان جغرافي آخر مختلف عنه تماما. وهو ما يلاحظه القارئ عبر الأنطولوجيا التي انحازت لهذا النوع من التقسيم الطبيعي والحضاري، ثم هناك ثانيا التنوع الكبير في اللغات المتداولة في هذه المناطق، إذ رغم استمرارية هيمنة لغات المستعمر على الآداب الأفريقية، فهذا لم يمنع بعضا من شعراء القارة من التعبير بلغاتهم المحلية الخاصة النابعة من تراث بلدانهم الأصلية”.

ويشير إلى أنه عندما نشر الشاعر السينغالي الكبير ليوبولد سيدار سنغور “أنطولوجيا الشعر الزنجي والملغاشي الجديد باللغة الفرنسية” في عام 1948، والتي كتب جان بول سارتر مقدمتها الشهيرة بعنوان “أورفيوس الأسود”، كان العالم يحتفل بالذكري المئوية لثورة سابقة، الإلغاء النهائي للعبودية بموجب المرسوم الصادر في 27 أبريل 1848 الذي استعاد كرامة الرجل الأسود وجعلها تدخل حقبة جديدة.

لكن سرعان ما تلاشت هذه الأحلام والآمال العريضة لأن القارة السمراء لم تعرف حتى ما بعد منتصف القرن العشرين انسحابا نهائيا لهيمنة الرجل الأبيض على شعوبها وثرواتها إلا بعد نضالات طويلة وتضحيات جسيمة. هكذا صار الاستعمار بديلا عن العبودية، بل أسوأ منها في أغلب الأوقات، وهو ما شكل تسوية مؤلمة في التاريخ ما زلنا شهودا على آثارها المدمرة إلى اليوم.

شعريات مختلفة

يلفت مبارك إلى أن هذه الأنطولوجيا الشعرية الجديدة لا تطمح إلى تقديم صورة شاملة وجامعة للشعر الأفريقي المعاصر لأنها في الواقع لا تغطي مجموع القارة الأفريقية كاملة.

ويقول “تعمدت إغفال جهات محددة مثل الواجهة المتوسطية أو منطقة شمال أفريقيا باعتبارها امتدادا للعالم العربي، وإنما تسعى فقط إلى إعادة اكتشاف حيوية هذه الشعر المجهول بالنسبة إلى كثيرين رغم أنه ينتمي إلينا وننتمي إليه فوق هذه الأرض المشتركة”.

ويتابع “يضاف إلى ذلك أن هذا الشعر المتفرد لم يصلنا منه إلا القليل في العالم العربي حتى الآن، وهو في معظمه لا يزال مدفونا ومنسيا في لغاته الأصلية، بل ويتم تجاهله باستمرار بشكل غريب وغير مبرر، سواء من طرف المشتغلين بالحقل الأكاديمي والنقدي أو من طرف المترجمين ودور النشر العربية”.

ويوضح مبارك أن المختارات الموسعة “تضم مئة شاعر وشاعرة ينتمون إلى أربعين دولة إفريقية” ولم تقتصر على أسماء الشعراء الكبار في القارة، أو الذين يحظون بصدى مستحق منذ سنين، وإنما حاولت قدر الإمكان أن تنفتح على مختلف أنماط الإنتاج الشعري وعلى رأسها تلك القصائد المكثفة القادمة من جنوب الصحراء الكبرى والتي تتميز بطابعها الشفهي والعفوي لأنها تتعذى وتتكئ أساسا على تقاليد الشعراء الجوالين وتراث الأسلاف الشعري والغنائي، بينما هي في الواقع تخط مسارات جديدة في أرض القصيدة الأفريقية الحديثة سواء على مستوى تحرير اللغة وتنوع الإيقاعات أو قوة الرمز واستثمار الأسطورة.

Share this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *