محمد عيد إبراهيم.. طينةٌ رحبةٌ تُسامِحُ الحَصَى

محمد عيد إبراهيم.. طينةٌ رحبةٌ تُسامِحُ الحَصَى

قبل أن يموت محمد عيد إبراهيم (أعتَذِرُ بشدَّة لأنني أقول يموت)، اعتَرَفَ في حوارٍ أنه لم يَعُدْ يُزعِجُهُ تهمة الغموض أو “إبطال الدلالة” التي التصَقَتْ به مثل عارٍ، ومثل عضوٍ مُشَوَّهٍ عليه الرضا به، وأنه لم يعُدْ يعبأ أيضاً بالماضي وما تعرَّضَ له من تجاهُلٍ ومحاولاتٍ لقتْلِ مشروعِهِ، فهو يرى -والجميع يرى- أنه صار الأكثر حضوراً شعرياً وثقافياً، بل والأكثر تأثيراً. فعيد، المُلقَّب بالنسّاج، كان لا يرد يدَ كل من يطلب منه نصيحةً في الشعر أو الترجمة، لهذا اعتَبَرَهُ كثيرون أباهم وشيخهم وصاحب الفضل الأول.

 

شخصياً، لم أستطع حتى الآن استيعاب أنه لم يعُدْ موجوداً بيننا، سواءً في الحياة الافتراضية أو الواقعية، فكنتُ دوماً أتابع تعليقاته وملاحظاته وما ينشره من نصوصٍ للأصدقاء في “الجروب” الذي أنشأه باسم “أنا الآخر”، لأعرف من خلاله إلى أين وصلت حركة الشعر المصرية والعربية، فقد كان يحمل على عاتقه مهمةَ أن تتحرر الأصوات من سطوة “الشِلَّل” والمؤسسات، وأن تصل لأكبر عددٍ من الناس، وكان يُحَرِّكُهُ في ذلك شيئان: محبتُهُ للشعر، والمرارة التي ظلت عالقةً في حَلْقِهِ.

 

آخر مرةٍ رأيتُهُ فيها كانت قبل عامين، في مؤتمر قصيدة النثر المصرية، الذي شهِدَ في تلك الدورة استضافة عددٍ من شعراء جيل السبعينيّات. كان محمد عيد إبراهيم -تقريباً- الوحيد من هذا الجيل الذي يجلس ويلتفُّ حوله الشباب -وكنت بالطبع واحدةً منهم- ليس فقط لأنَّهُ الأكثر تواصلاً معهم، أو لأنه لا يُشعرهم بأية فجوةٍ زمنيةٍ أو شعريةٍ أو حياتيةٍ بينه وبينهم، ولكن لأن بشاشَتَهُ ولُطْفَهُ يجعلان أيّ أحدٍ يقترب منه دون تخوّفٍ من الصَّد أو الإحراج أو التقليل منه أو التعالي عليه.

 

كان عيد بلا شكّ نموذجاً يُقتدى به في النُبل والاجتهاد، فقد رحل مطلع يناير الماضي تاركاً للمكتبة العربية 14 ديواناً وأكثر من ستين كتاباً مترجماً، بجانب عددٍ من المخطوطات لحوالي ستة أعمالٍ عَكَفَ على ترجمتها في سنواته الأخيرة. وطوال التسعة أشهر الماضية، لم نَرَ مؤسسةً ثقافيةً مصريةً تسعى للتواصل مع عائلته أو أصدقائه لنشر أيٍّ من هذه المخطوطات، رغم أن عيد أفنَى حياتَهُ في خدمة هذه المؤسسات، فهو من أسَّسَ -على سبيل المثال، لا الحصر- سلسلة “آفاق الترجمة” في هيئة قصور الثقافة، وعمِلَ مديراً لتحريرها بين عاميْ 1996 و1998، وخلال هذه المدة أصدر 54 عملاً فكرياً وإبداعياً لنخبة من المترجمين المصريين والعرب.

 

الوحيدون الذين سعَوا، هم أصحاب دار “خطوط وظلال” التي تأسَّسَتْ هذا العام في العاصمة الأردنية عمّان، فارضةً وجودها على سوق النشر العربي بعددٍ من الإصدارات القيّمة، والتي كان من بينها كتابان من ترجمة محمد عيد إبراهيم، وهما “قصيدة النثر الأميركية” لديفيد ليمان، وطبعة ثانية من “مقدمة لقصيدة النثر” لبريان كليمنس وجيمي دونام، وكان لوصول الكتابين للقاهرة أثرٌ كبيرٌ في نفوس محبّيه وأصدقائه، الذين قرروا الاحتفاء به في أتيليه “ضيّ”.. وتأبينه أيضاً. التأبين الذي كان من المفترض أن يُقام في مارس الماضي لكنه تأجَّلَ بسبب وباء كورونا.

الشاعر محمد حربي، الذي لم تجِفّ دموعُهُ حتى الآن، قال إنه لم يكن يقصد بتنظيم هذا المحفل أن يُذَكِّرَ عائلتَهُ بفاجعة الرحيل، أو أن يُقِرَّ بموته، “لأن الشاعر يسافر، ولا يموت”، على حدّ تعبير عيد نفسه، الذي أخبره في آخر أيامه أنه لا يريد السفر، وإن حدث، فسيُسافر وهو حزين. عيد كان يشعر أنه لم يتلقَّ التقدير الكافي، وأنه ظُلِمَ تماماً، ولم يُنْصِفْهُ أحد. لكننا جميعاً نعرف أنه مثل “طينة رحبة تسامح الحصى”، وأنه كان متسامحاً مع الجميع، وهذا ما كان مع الروائي الكبير والمشهور الذي ألقى بديوانه الأول “طور الوحشة” من النافذة، موجِّهاً له السؤال اللاذع: “هو دا شعر؟”.

 

لا أظن أن محمد عيد إبراهيم انتهج هذا السلوك يوماً، ليس –فقط- لأنه لا يريد لأحدٍ أن يشرب من ذات الكأس، ولكن لأنه ضد أيّ سُلطةٍ تضطهد الخيال، سواء كانت سلطةً أبويةً أو سياسيةً، ولأنه أيضاً مؤمنٌ أن ما يعتبره الآخرون هامشاً اليوم، يصير متناً غداً. وهو ما حدث معه، فقد “ظلَّ عيد ابن الهامش الجغرافي، على هامش الشعر”، ووجوده الآن في الصدارة يعود -في رأيي- إلى أنه لم يكن يهدف من كتابة الشعر إلى الشهرة أو حصد مكاسب، فهي عنده -أي الكتابة- مجرد رغبةٍ تضغَطُ عليه، فيقوم بتفريغها كبداياته مع الحُبّ.

 

يقول في حوارٍ سابقٍ مع صديقه محمد حربي والمُشار إليه أعلاه: “يجب على الشاعر أن يقرأ أكثر مما يكتب، ويبحث أكثر مما يجد، ويظلّ يسأل ليرى ويستوعب أكثر، فالشعر لن يعطيك إلا كلّما أجهدْتَ نفسَكَ في طلبِه، بالقراءة والوعي والخبرة والتجربة، وفوق ذلك وتحته وأمامه وخلفه : التجريب، التجريب دائماً كالجثّة النازفة، أن تسمع نبضها عبر شرايين روحك وهي تنطلق بين شفتيك الحارقتين”.

 

الدكتور شاكر عبد الحميد وزير الثقافة المصري الأسبق، والناقد الأكاديمي، كان أحد المشاركين في الاحتفاء بمحمد عيد إبراهيم، إذ أكَّدَ على أنه -أي عيد- “كان لديه ولعٌ بالغريب والغرائبي من الألفاظ والعوالم، وأيضاً له صراعه ومعاناته مع اللغة، لذا يشعر من يقرأ له -خصوصاً إن كان يبحث عن المتعة العابرة- أنَّ كتاباته تتَّسِمُ بالجفاف أو التقشُّف أو النقص في التواصل، لكن من يتأمَّل هذا السطح الخشِنْ سيجده غائراً بالمعاني والدلالات والاكتشافات والأفكار والرؤى الإنسانية. هذا النوع من الكتابة إذن ليس موجّهاً للعامة، إنما للخاصة، وربما لخاصة الخاصة”.

 

تعبير “خاصة الخاصة” جعلَني أنتبه فجأةً إلى أن تشبيه “الراهب” الذي يُطْلِقُهُ عليه أصدقاؤه وزوجته لم يأتِ من فراغ، فبجانب أن “عيد” كان لا يُغادر محرابه وينكفئ طوال اليوم ليكتب أو ليقرأ، إلا أنه كان متشبِّعاً بأفكار المتصوفة، الذين يؤمنون بالباطن، لا الظاهر، والذين يؤمنون بالطريق، لا الوصول، ما جعلَهُ يُراهن على “دورة الزمن التي لا يأمنها أحد”، فهو لم يكن يريد أن يكون تكراراً أو ظلّاً أو صدىً لغيره، إنما أن يكون نسيجاً وحدَهُ، وعلى قدر الثمن الذي دَفَعَهُ جرّاء ذلك، على قدر المتعة التي التَصَقَتْ به.

Share this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *