مرويات كورونا.. كتابة الخوف ورتابة الوقت

مرويات كورونا.. كتابة الخوف ورتابة الوقت

في وقتٍ سابق كتبتُ في هذا المكان فرضية متخيلة للبشرية التي تحاصرها جائحة كورونا مفادها لو أنّ معظم السكان الأرض يدوّنون يومياتهم في هذا المحجر العالمي الشامل، بسبب الفراغ الذي يحيط بهم وفائض الوقت الذي يطاردهم، ومن المؤكد أنهم سيتشابهون في التدوين اليومي، بسبب المحنة الواحدة المشتركة والحجْر المتشابه في أصقاع كوكبنا المريض. وكنتُ أتخيل أن الجميع محاطون بالأوراق والأقلام ويكتبون ما يجري من مَشاهد صراع وموت في دراما عالمية واحدة أصابت الشرق والغرب في آنٍ معًا وتركتِ الجميع يبحثون عن سبل النجاة بمتابعة أخبار الطب والمختبرات واللقاحات.
بطبيعة الحال لم أذكر النخبة من الشعراء والقاصّين والروائيين والمسرحيين وكل من يعمل في مجال الجمال والفن والمعرفة. فهذه مهمتهم الجمالية في كيفية تناول هذه المشكلة الصحية العامة من زوايا كثيرة يمكن التقاطها بسهولة أو صعوبة، مع يقيني الثابت بأن هؤلاء الجماليين سيتشابهون في الطرح الفني والفكري بالنتيجة. ولن تكون مدوناتهم إلا نسخا متشابهة من بعضها. وهذا أمرٌ حتمي كما قدّرتُهُ وأقدره الآن، بواقعية أن جائحة كورونا هي مفترس واحد في خطورته على البشرية ووباء مشترك. والعالم بأكمله اضطر إلى الحجْر الصحي ولزوم البيوت، وبالتالي فإن العودة القسرية إلى البيوت كانت إيذانًا بمتشابهات يومية لا بد منها، قوامها البيت وموجوداته الصغيرة التي كانت غائبة عن البصر وربما البصيرة، مثلما هي الأسرة الأليفة بشكلها المباشر التي بدأنا نتعامل معها كونها موجودة ونافذة في الحياة. أي أن المساحة أخذت تضيق على الجميع، لا تتعدى مساحة البيت الواحد. وبالتالي ستضيق مساحة التدوين في النصوص المقترحة، على أن يبرز الهامشي على المتن الرئيسي، بوصفنا أن المحجر القسري هو عودة إلى الحياة من جانبها الواحدي، ورؤية ما لم يكن يُرى سابقًا. وهذا الهامشي – برأيي- هو الصالح للتدوين في مرويات الأدب العربي والعالمي.

على هذه الفرضية المتاحة للجميع والممكنة أيضًا في أي وقت، فاجأتنا دار نشر “خطوط وظلال” الأردنية بنشر تسعة مؤلفات لأدباء عرب في أوقات متقاربة من الأشهر الأخيرة لعام كورونا 2020 حملت عنوانًا محوريًا موحدًا هو (مرويات الفايروس) وكل هذه المؤلفات استحضرت المخاوف المتصلة بهذا الوباء بأكثر من طريقة فنية وتعبيرية. ولعل الأكثر سهولة هو تدوين المشاهدات واليوميات التي عاشها هؤلاء الأدباء تحت وطأة الحجْر والمشكلات المتوقعة التي خلّفها في البنية الاجتماعية والنفسية وما تركه من التباسات في جوهر الحياة ووظيفتها اليومية مع أن التفاوت كان قائمًا في هذه المرويات، فهذا يقع في زاوية الرؤية الأدبية التي تتفاوت من أديب إلى آخر.

تسع مرويات أدبية

 بدءًا ندوّن هذه المرويات بعناوينها وأسماء مؤلفيها:

  • ·       أقنعة كوفيد – (حوارية نهر حياة وإنسان) عبد الرحمن بسيسو
  • ·       يوميات ساخرة لخائف كورونا – كامل النصيرات
  • ·       الست كورونا – عادل الأسطة
  • ·       أنوار في ليل كورونا (من دفتر محجور ثقافي) – بوعلام رمضاني
  • ·       في قبضة الكابوس (ثلاثون يومًا من حصار كورونا) – جان دوست
  • ·       أرخبيل الفزع (كراسة محكيات المعزل) – أنيس الرافعي
  • ·       مسافر في البيت – عبد الرزاق بوكبة
  • ·       أحلم بالرصيف – محمد العامري
  • .      خارج سور الصين العظيم (من الفكاهة إلى المأساة) – إبراهيم اليوسف
  • ومثل هذا الكم المباشر الذي نُشر في توقيتات متقاربة، يقترب كثيرًا من هذه المشكلة الصحية ومدى انعكاساتها على الذات البشرية في الأسرة الواحدة. وإذا كان المتن السردي هو كورونا فإن هذه الكتب مجتمعةً بقيت الهامش المتشابه فيه. فالفعل السردي واسع وكبير ومُشتّت في أصقاع العالم. والنهايات الواضحة مفجعة إلى حد كبير. حتى بدا كأن الوباء أسطورة قديمة تتجدد في العالم الحديث بالرغم من تحديث الكثير من مفاصله الحياتية عبر وسائل متعددة ليس أقلها الثورة الإلكترونية الكبيرة. ومن هذه الأسطرة التي تتحقق كل مائة عام، ظهرت الكثير من السرديات والقصائد واليوميات التي أشرنا لها في السابق. على أننا ننتظر تدوينات لمرويات جديدة في العالم العربي، لا سيما وأن كورونا التي توصف بأنها (أجمل) الفايروسات التاجية، تنتظر أيضًا (أجمل) المرويات والكتابات والتدوينات والسرديات المتنوعة، لفحص الآثار الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي خلّفتها حتى الآن، وإعلاء شأن الهامش كونه المتبقي الشاخص من اليوميات التي تقع عليه الأنظار، بعد أن كانت غائبة عن الأنظار لظروف الحياة المختلفة.
    في هذه (المرويات) العربية التسع التي تحاول أن تخرج من الحدث الوبائي بأكثر من رصيد فني، والتي تحدّث معظمها عن الأشهر الأولى للجائحة وما تركته من صدمات كونية مفاجئة، سنجد الكثير من المتشابهات السردية؛ فالفضاء المَرَضِي واحد، ومسرح الأحداث وإن توزع في العالم فإنه مسرح واحد في إشكالية الحجْر الجماعي، والنظر إلى الحياة من زاوية جديدة حتى لو كان النظر إليها من باب الفزع أو التوجس في هذا الخوف المشترك. وبالتالي فإنّها لم تخرج من هذا الإطار، بل تطابقت مفرداتها مع الإنسانية المذعورة على نحو يمكن لمسه بسهولة. وهذا هو ما يجمع هذه المرويات، لكن بأساليب تتجلى فيها الخبرة السردية أحيانًا التي تحاول أن تطوف حول الموضوع باستدعاء الخبرة المقالاتية أو الدربة الكتابية من دون خيال أدبي على الأغلب الأعم، وأحيانًا السرعة السردية التي لا تحيط بالتوجس الإنساني على نحوٍ كافٍ. وعلى نحوٍ ما كان بعضها ضعيفًا في معالجة هذه السردية الوبائية. لكنها تبقى شهادات شخصية على كل حال. وقيمتها الأدبية هي من قيمة سرديتها وجماليات معالجاتها، إن وُجدت
  • كورونا في كتب
    سنجد في (مسافر إلى البيت – يوميات أب في زمن كورونا) لـ عبد الرزاق بوكبة فضاءً بيتيًا مركزًا يغلب عليه الشعور بالأبوة والحذر والخوف، بما في ذلك التربوي والتوجيهي منه، ومحاولة الوصول إلى أسباب الجائحة في استذكارات صارت فيها البساطة هي المحور الذي قاد بوكبّة لتدوين هذه المروية، بشعور أبوي حريص على بناته وأسرته وتاريخه الشخصي. وكان حريصًا على التقاط يوميات سهلة وبسيطة لا تخلو من الخوف والقلق إن لم أقل الفزع في أعلى درجاته الشخصية. فيما جمع بوعلام رمضاني في (أنوار في ليل كورونا- من دفتر محجور ثقافي) مقالات صحافية ثقافية نُشر بعضها في موقع “ضفة ثالثة” وربطها بسلك سردي حاول فيه أن يكون مدونًا ثقافيًا لهذه المرحلة الخطيرة باعتبار أن الثقافة “حاجة ضرورية في زمن الشدّة والفرج على حد سواء” كما جاء في مقدمة الكتاب؛ منطلقًا من أرضية باريسية تعاين الوباء بعيون صحافية ومراجعات ثقافية في مداخلات راصدة للفعل الوبائي المنتشر.
  • وحاول كامل النصيرات في (يوميات ساخرة) وبواقع 44 فقرة التماشي مع اليوميات الكورونية تحت بند (الخوف) بوصفه العامل المشترك في (بيتين) يتحول فيهما الكاتب مع أسرتين وزوجتين تتقاسمان الذعر ذاته في مرويات الفايروس، وعن رجل (يكتب يومياته وهو يرتجف من الكورونا) باستسلام شخصي أمام هذه المحنة الكونية التي اجتاحت العالم بطريقة غير مفهومة.
    لكن (أرخبيل الفزع – كراسة محكيات المعزل) لأنيس الرافعي سيكون ذا طابع فني وكولاجي في تماس مباشر وغير مباشر مع فكرة الوباء في كتاب ضم 42 مقالة تحاكي الأعمال الفنية التي رافقت شيوع الفايروس، بأسلوب تحليلي ولغة فنية تمكنت من أن تحيط بالأفكار الفنية المعروضة في الكتاب. وحتى الفنان والشاعر محمد العامري في كتابه (أحلم بالرصيف) استعان ببعض الرسومات واللوحات لتوطيد الصلة بين السرد وجماليات الفن التشكيلي في محاولة القبض على الخوف المشترك والالتباسات النفسية التي تركها الفايروس.
    وفي (أقنعة كوفيد – حوارية نهر حياة وإنسان وجود) لعبد الرحمن بسيسو كان واضحًا أن الكاتب استلهم من نهر الدانوب تأملاته الوجودية في معاينة الأثر الكوروني الذي اجتاح الحياة. على أن الدانوب هو المعادل الموضوعي لتلك الآثار التي كان يخلفها الوباء في رؤية الكاتب، الذي وجد في الدانوب حليفًا ممكنًا في تقصي الهواجس الفردية والإحالة إلى جماليات المكان برصيد التذكر والمناجاة الشخصية.
    ويكتب عادل الأسطة خربشات يومية كثيرة كما أسماها في (الست كورونا) بدأت من 7 آذار/ مارس 2020 وانتهت في 1 حزيران/ يونيو 2020 وهي خربشات قصيرة سادها الانفعال الذاتي في مراجعة الكثير من الشؤون الحياتية. وهي أشبه بالخواطر الصحافية أو التدوينية اليومية التي يفصح من خلالها عن الشعور بالعجز عن مواكبة هذا الفايروس القاتل.
    وفي “مقدمة معقّمة” التي كتبها ابراهيم اليوسف لكتابه (خارج سور الصين العظيم- من الفكاهة إلى المأساة) يرى الكاتب بأن ثمة طقسًا جديدًا في مناخ عام غدونا في مواجهته.. والطقس المتحول هو ما تسببت به الجائحة من توقعات انتشار الإصابة بها في أي مكان. وهذه اليوميات عرّجت على الخوف الملازم للأسر في البيوت لا سيما بعد تطبيق الحظر. وحضور البيت كمكان للّجوء من كارثة العصر. والبيت بكل إحالاته النفسية والشخصية والجمالية هو الملجأ الأول والأخير للاحتماء من هذه الجائحة النافذة في الحياة.
  • وآخر المرويات لجان دوست جاء بعنوان (في قبضة الكابوس- ثلاثون يومًا من حصار كورونا) وقدمته الشاعرة الأردنية هناء البواب بأنه ذو لغة فخمة مشحونة بطاقات بلاغية هائلة تحيل إلى انفعالات الكاتب في مرويته الأدبية هذه مستعينًا بطاقة اللغة في توصيف الحال الشخصية والعامة.
  • ملاحظات عابرة
    هذا العرض ليس نقديًا بطبيعة الحال ولا يهدف إلى تقييم هذه المرويات التسع، بقدر ما هو تأكيد على أن الأدباء والفنانين والصحافيين العرب، يمكن لهم أن يقدموا الكثير من الرؤى وزوايا الالتقاط في هكذا موضوعة عالمية، تمكنت من أن تغيّر وجه العالم في اقتصاده واجتماعياته وسياساته ومزاجه النفسي. وبالتالي فإن هذه المرويات يتشابه بعضها إلى حد واضح في استعراض اليوميات الكورونية، بسبب المساحة الزمنية المتشابهة التي انطلقت منها هذه الكتابات وهي لا تتعدى الأشهر الخمسة الأولى من زمن حدوث واقعة كورونا، فبدت مكررة في أغلبها، يفترعها الخوف والحصار النفسي ورتابة الوقت الممل الذي لم نعتده في البقاء مرغمين في بيوتنا. كما أنه من سياق التواريخ المثبتة فيها كأنها كُتبت في لحظة شروع واحدة وفي الزمن ذاته والتوجه ذاته في تقصي الأثر الصحي، وما تركه من انطباعات ليست عابرة في الأحوال كلها على الأسرة العربية، وأعني هنا أن بعضها كان يعاني من شحوب الكتابة والتكرار والتوصيف المتشابه.

Share this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *